الإنسان كنصٍّ وجودي: النص الجسدي (ج1)

تم نشره في الجمعة 19 آب / أغسطس 2016. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

أحد إشكالات إنسان العصور الحديثة أنه يقتات على جثث الأموات، سواءً أكانَ هذا الاقتيات عقلياً أو جسدياً؛ إنه حصيلة جثث لانهائية!
وإذا كان لهذا الإنسان أنْ ينظر بعجرفةٍ وامتعاضٍ إلى الإنسان البدائي، لناحية أنَّهُ إنسان متوحش وبربري وغير متطوّر، فإنَّ للإنسان البدائي أن ينظر بازدراء إلى إنسان العصور الحديثة، لناحية أنَّهُ إنسان غير أصيل، غير طاهر، فهو مثل القرَّادة يقتات على دم الآخرين، حتى وإن اقتحم السماء وبلغ مبلغاً عظيماً من العلم والمعرفة.
إلا أنَّ نقطة مضيئة في نهاية النفق الوجودي هي التي تفتح باباً للتنفّس من هذا المتن الجُثّثي، فالفردانية المفارقة التي تتمتع بها الذات -لحظةالإبداع- هي لحظة انفصالية عن سلسلة التراكمات المُتصلة. وهذا ما سأعمل على توضيحه تباعاً.
التناصات الجسمانية
نظرياً، يبدو إنسان العصور الحديثة كما لو كانَ إنساناً نقياً، نظيفاً، طاهراً، غير مُلوَّث، لاسيما مع وجود طقم من الامتيازات المعيشية التي امتاز بها هذا الإنسان، سواء على مستوى الحياة الواقعية؛ من لباس أنيق وعلب شوكولاتة فاخرة ومأكولات جديدة وسيارات فارهة... الخ، أو على مستوى الحياة الافتراضية؛ من هواتف ذكية وألعاب إلكترونية وأجهزة حاسوب متنقلة... إلخ.
عملياً، لا يعدو إنسان العصور الحديثة أن يكون جُثَّة حيَّةً، فلقد امتلأ كوكبنا الأرضي بعِظام الميتين. والتراب الذي نزرعه بمختلف أنواع الثمار، لكي نأكل ونبقى -من ثمَّ- على قيد الحياة، مُكوّن من جُثث مُتحلّلة!
ولربما كان مِن المُجدي لإنسان العصور القادمة (من أجل الخلاص من حالته الجثمانية)، أن يبحث عن خياراتٍ أخرى بعيداً عن هذا الكوكب المُفْلِس. فالجسد هو تجلّ جسماني لحصيلة هائلة من جثث الأموات، فمؤكّد أن ثمرات الطماطم التي نأكلها الآن هي عظام مطحونة، مُتآكلة، مُتحلّلة لميتٍ قديم.
وتلك الوقاحة الفجّة (على المستوى الظاهري) التي تنتاب إنسان العصور الحديثة، بإزاء فائقيته وتجاوزه للإنسان البدائي، يُرافقها شعور مُضمَر بأصالةٍ زائفة (على المستوى الباطني). فحتى تلك الثياب الأنيقة هي بمثابة غطاءٍ لعدم طهارته!
السؤال المزدوج الذي يُؤرّقني ضمن هذا السياق هو، أولاً: أين ذهبت جثث من ماتوا؟ وثانياً: عن أية طهارة يمكننا التحدّث بعد الآن؟!
لدينا في البلد عدَّة مقابر. قبر جدّي لأمي الذي مات قبل ستين عاماً ما عاد قبراً معروفاً، حتى أنَّ والدتي لا تتذكر أين دفن جدّي على وجه التحديد، لأن معالم المقبرة القديمة حالت إلى أرض مزروعة بأشجار الزيتون. وقبر جدّي لأبي الذي مات في العام 1973 موجود في مقبرة نصفها حال إلى شارع أسفلتي رئيسي.
هذا ضمن الأفق المنظور، في المدى البعيد لقد عادت الجثث الآدمية سيرتها الأولى، وصارت جزءاً لا يتجزأ من التُراب، لكن المفارقة هي في مُخرجات هذا التراب. فما بين اتصال عن هذا التراب وانفصال عنه، تتخذّ حياة الإنسان الحديث طابعاً دنساً، غير طاهر، حتى وإن حرص هذا الإنسان على مستوى رفيع من أناقةٍ مُفرطة، وعلى تغليف قطع الشوكولاتة الفاخرة بورقٍ مقوّى وغالي الثمن. فإذا كانت جثث مَنْ ماتوا قد انجبلت من جديد وتشكلت تراباً جديداً، فهل ثمة لذة من قبل الإنسان في أكل جثّة أشباهه من بني البشر؟
لربما، كان ثمة استنطاق لاواعٍ لوحشية إنسانية كامنة، فَبَعْدُ لَم يتهذَّب الإنسان، ولم ينتقل إلى مرحلة أكثر تطوّراً تجعل منه إنساناً مُتحضراً بكل ما تحمله وتحتمله الكلمة من آفاق انفصالية عن مرحلة عدم التحضر. فالوحش القابع، المُتواري بين جنبي الكائن الإنساني يتجلّى بأكل لحم أبناء جلدته، ولكن بطرقٍ أنيقة وحديثة، لكي يشعر بتمايزٍ عن الحيوانات المفترسة. لذا، لا مجال للحديث عن طهارة الإنسان، لأنّ لحم جسده هو عبارة عن تكتّلات للحم من سبقوه من بني البشر.
هذا من جانب. من جانب آخر، ليس ثمة جسد خالص، بحيث يصير جسداً محضاً غير مُعتَمِد إلا على نفسه؛ فالنص الجسماني هو نص يتقاطع مع نصوص أجساد لا حصر لها: جسد أمّه الذي بقي متموضعاً في جسدها بضعة أشهر، ومن ثمّ خرج من رحمها، وألقمتهُ ثديها... إلخ. وجسد والده الذي -بدءاً- كانَ سبباً في وجوده -بالاشتراك مع أمه- إذ لُقّحت البويضة بحيوانٍ منوي، تخلَّق عبر مراحل شتى حتى حالَ إلى تكتّل جسماني مُكتمل، ومن ثمّ بعلاقة تلامسية فيها ما فيها من الدِعة واللعب والأريحية. وجسد زوجته والعلاقة الجنسية بينهما، وعلاقته بأجساد أناس لا حصر لهم ساهموا بطريقةٍ أو بأخرى، في نماء هذا الجسد أو تآكله أو تهدّمه أو مرضه أو شفائه... إلخ. فالسلسلة التفاعلية بين الأجساد وسيرورتها اللانهائية في بقاء صيروري دائم، هي سلسلة مُتنامية تباعاً بين أجساد مُتفاعلة ولا يمكنها -بحالٍ من الأحوال- الانعزال والتشكّل بعيداً عن الأجساد الأخرى، على اعتبار أن جسمانية الجسد الإنسي هي جسمانية مُفارقة لحالة الخلاص الإلهي؛ فالتجسّد هو أحد العلامات الفارقة في رحلة الوجود الإنساني، لناحية تعيّنه ووجوده في الواقع المعيش.
إلا أنَّ هذه التناصات بأجسادٍ لا حصر لها، لا تمنع صاحب الجسد من أن يعتبر جسده نوعاً من الكينونة الذاتية، فالجسد الذي يحمله ويحتملُ عليه هو جسده لا جسد غيره، ولا يحقّ لأحدٍّ -أياً كان- أن يمسّ هذا الجسد بغير ما يريد، فهو جزء غير منفصل عن سياقات الوعي الإنساني بالوجود الذاتوي؛ فالفردانية -وإنْ كانت مقولة عقلية بالأساس- إلا أنها لا تستطيع أن تتأكّد ضمن سياق فاعلي وتفاعلي مع الاجتماع الإنساني إلا بالجسد، ليس لناحية أنه جزء من تشكّل بشري عارم، بل بصفته جزءاً من البناء الفرداني للذات الإنسانية. فتلك العمومية الجسمانية البشرية التي جعلت من الجسد جزءاً من كُلّ هائل، لا تمنع من تحقّق الفردانية لهذا الجسد، فهو جسد مختلف عن الأجساد الأخرى، لأنّه منطبع بطباع صاحبه وتكويناته العقلية.
وعليه، فالجسد ملك خاص لصاحبه ساعة يُحدث قطيعة مع الأجساد الأخرى، ويحاول أن يتميز -عبر هذا الجسد- باجتراح مأثرة شخصية تميّزه عن غيره، فالباب (على سبيل المثال) الذي يصنعه النجّار هو باب ولا كل الأبواب، فالعملية التي تدفقت صناعةً لهذا الباب هي عملية ذاتية بامتياز، حتى وإن تشاركت ذوات أخرى في بلورة جزء من سياقاتها، فالتجلِّي الأخير للباب هو تجلٍّ ذاتوي بامتياز، فالجسد الذي ساهم في التشكيل الأخير للباب هو جسد نجَّار بعينه لا أحد سواه، لذا يميل المرء إلى اعتبار مثل هذه المنجزات بمثابة شفرة ذاتية للولوج إلى الذات وفكّ رموزها.
ولربما كانت مقولة "حفظ الجسد" من المقولات العبقرية في التاريخ البشري، لانطوائها على حسٍّ إنساني عالٍ ودفقة هائلة في مسلكيات الوعي البشري، على أساس أنَّ هذا الجسد هو أحد المعاقل الكبرى للذات الإنسانية.
من هنا أمكنني القول: ثمة لحظة هي مناط فردانية خالصة بالنسبة للجسد، أي جسد، تجعل منه مُفارقاً لكلّ الأجساد المُشابهة، فالاشتراك المبدئي في التفاعل الوجودي مع أجساد لا حصر لها، لا يمكن أن يقف عائقاً في وجه فردانية الجسد وأحاديته وتمايزيته عن بقية الأجساد الأخرى. ولتظهير الصورة بشكل أوضح فسأتحدث -في الجزء المقبل-عن التناصات العقلية وأربطها -سياقياً- بالتناصات الجسدية.

التعليق