"وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون"

تم نشره في الجمعة 19 آب / أغسطس 2016. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة

قال الله تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ" (البقرة، الآيتان 11 و12). وهذه الآية تنطبق على كثير مما يجري في واقعنا المعاصر.
ولنبدأ ببيان أقوال المفسرين في تفسير هاتين الآيتين، ثم نعقب ببعض التطبيقات المعاصرة من مفسدي العصر والزمان.
تنوعت أقوال المفسرين في المقصود بالآيتين، فبعضهم قال هم المنافقون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض آخر قال إن أصحابها لم يأتوا بعد، بل سيكونون في المستقبل. وجمَع بعض ثالث بين القولين، بأن المقصود بهاتين الآيتين هم المنافقون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومن سيكون مثلهم في المستقبل؛ نفاقاً أو إفساداً في الأرض، وما أكثرهم في عصرنا الحاضر. وهو التفسير الأشمل والأقوى.
وحول طبيعة الفساد الذي يقوم به المنافقون، تنوعت عبارات المفسرين بين: الكفر والمعصية، أو اعتبارهم المعصية هداية حين ينكر عليهم المصلحون، أو نصرة الكفار وموالاتهم على المؤمنين. وذلك أنه بالطاعة؛ من الصلاة والصوم والتجارة الحلال والزواج الصحيح والصدق والأمانة والتعاون والتسامح والعدل ورفع الظلم ورعاية المخلوقات والحفاظ على البيئة وبقية الطاعات، يعمر الكون. وبضد ذلك؛ من الكفر والمعصية والظلم والربا والزنا والجشع والطمع والقتل والعدوان والأنانية والعدوان، يهلك الكون ويدمر، وتحدث الحروب العالمية، ويُستعبد ملايين البشر طمعا بالثروات، وتشيع الأمراض الجنسية القاتلة، وتفلس الدول الغنية، وتضطرب الأحوال البيئية، وغيرها كثير. 
ويرافق هذ الكفر وارتكاب المعاصي، رفض النصيحة والتذكير من أهل الخير والإيمان. ويصر أهل الفساد على تبرير معاصيهم بأنها "إصلاح"، ولا يجدون عندها لهم سندا في وجه تذكير ونصيحة أهل الإيمان إلا مظاهرة ومساندة أهل الكفر والطغيان.
أما تفسير دعوى المفسدين بأنهم مصلحون، فهو يدور بين ثلاثة معانٍ: جحد حقيقة إفسادهم نتيجة نفاق قلوبهم، أو اعتبار علاقتهم بالكفار ضد المؤمنين من الإصلاح، أو زعمهم أنهم ساعون بالصلح بين المؤمنين والكفار.
ولكن الله عز وجل كذبهم وكشف الحقيقة فقال تعالى: "أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ"، بالكفر والمعصية وموالاة الكفار ظلماً وعدواناً؛ "وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ" أن فسادهم مكشوف مفضوح عند الله عز وجل وعند رسوله وعند المؤمنين، أو لا يشعرون أن ذلك من الفساد لجهلهم وتفريطهم في معرفة الحق والصلاح.
هذه مجمل أقوال المفسرين لهاتين الآيتين الكريمتين. ونأتي الآن للتأمل في بعض تطبيقات مفسدي العصر والزمان مع دعواهم الكاذبة بالإصلاح وهم لا يشعرون أنها مفضوحة مكشوفة عند المؤمنين، أو أنهم مخدوعون بها بجهلهم القاتل وغبائهم المستطير.
من أمثلة الإفساد تحت يافطات الإصلاح في عصرنا الحاضر، الاحتلال اليهودي لفلسطين. فتحت شعار الإصلاح وإنقاذ الشعب اليهودي والعدالة والتعويض، تم منح فلسطين لليهود واقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه وتهجيره في الداخل والخارج!
وتحت شعار الإصلاح، يتم إكمال الحصار على بقية الفلسطينيين في مناطق الـ48 من قبل السلطات اليهودية. إذ لمعالجة الاكتظاظ السكاني بين الفلسطينيين الذين يمنعون من تصاريح البناء، سنت الحكومة اليهودية قوانين (إصلاحية) تمنح مناطق الفلسطينيين ميزانية أقل بـ30 % مما تحتاجه وتستحقه أولاً! ثم سيصرف أكثر هذه الميزانية على بناء مراكز للشرطة اليهودية للإشراف على هدم منازل حوالى 50 ألف فلسطيني بحجة عدم أخذ ترخيص ثانياً!  
أيضا، تحت شعارات الإصلاح والسلام والتعاون، تزداد وتيرة اقتحام المسجد الأقصى والاعتداء على المصلين والحرس، والإعلان عن نية هدمه وإقامة الهيكل المزعوم خلال بضع سنوات. هذه أمثلة من الإفساد بدعوى الإصلاح.
مثال آخر يتمثل في ما يقوم به الروس في سورية من زعم الإصلاح بمحاربة الإرهاب والتطرف، فيرسلون القذائف الروسية القاتلة على كل مستشفيات الشعب السوري الثائر، فيما يتم تجنب قصف معسكرات الإرهاب و"داعش" في الرقة!
وينافسهم بالإفساد باسم الإصلاح ملالي طهران الذين رفعوا راية الإصلاح وتحرير "الأقصى" منذ زمن الخميني، لكن خريطتهم للأقصى حتمت المرور بكربلاء أولاً! واليوم وبعد المرور بكربلاء وغيرها من المحافظات العراقية السليبة، تبدلت الخريطة في زمن العولمة والاتفاق النووي، وأعلن حسن نصرالله أن طريق القدس تمر بالقلمون والقصير أولاً! لتتواصل جرائمهم بحق الأبرياء.
ومن الإصلاح الفاسد، رفع شعارات محاربة التطرف والإرهاب لتمرير أجندات إلحادية وعلمانية متطرفة، تحارب الدين والإسلام بذاته، سواء على المستوى السياسي أو الثقافي أو التعليمي أو الإعلامي. والغريب أن هذا "الإصلاح" ينتقد على الإسلام بذاته والمسلمين جميعاً أنهم ينكرون الآخر ولا يعترفون به ولا يقرون بالتعددية وينفرون منها، بينما أصحاب تلك الأجندات برغم هامشيتهم في المجتمعات، يحاولون القضاء على الغالبية ويسعون إلى إجبارها على تغيير دينها ومعتقداتها ومواقفها لتنصاع لرؤيةٍ إلحادية انحلالية في العقيدة والسلوك، وتأييد الدكتاتورية والاستبداد في السياسة!
ومن الإفساد العريض باسم الإصلاح، دعوات ومواثيق للأمم المتحدة في قضايا النساء والأطفال والشباب. فهي تنطلق من منطلقات مادية علمانية ملحدة صرفة، لإخضاع البشرية لأفكار في غاية السوء. وقد رفضت هذه المفاهيم المنحلة كل المرجعيات الدينية في العالم الإسلامية والمسيحية واليهودية وغيرها، لما رأت فيها من حرب على الفضيلة وتدمير للإنسانية.
ومن الإصلاح الفاسد محاربة سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والتعليمية بعلاجات محرمة ومؤذية؛ من التعاون مع الظالم المعتدي واللجوء للربا وظلم الناس وشرعنة الاستبداد ورعاية الفجور والانحلال وتطويع الدين للشهوات والأغراض السياسية، ومضايقة أهل العلم والإصلاح الحقيقي.
ومن الفساد باسم الإصلاح، مداهنة الظالمين المجرمين الطائفيين باسم الوحدة الإسلامية من قبل جماعات إسلامية، تقدم مصالحها الخاصة الجزئية على مصالح الإسلام والأمة العامة.
ومن مظاهر الفساد تحت رايات الإصلاح وشعاراته، رفض قبول النصيحة والتنبيه والقيام بالمراجعة من قبل القيادات العلمية والدعوية في التيار الإسلامي، بحجة أن هذا يفت في العضد أو أن الوقت غير مناسب أو لا حاجة لذلك أصلاً والمحنة دليل سلامة الطريق.
ويقابل فساد هذا الموقف، فساد موقف الشباب المتهور الذي يعالج ذلك بالانكفاء عن طريق الالتزام، أو التهور بالاتهامات الباطلة؛ فيصبح مصدر إحباط للمحيط وتشويه وعرقلة للمسيرة من دون إصلاح، أو تهور بسلوك نهج الغلو والتطرف والإرهاب.
وهناك أشكال أخرى للإفساد بزعم الإصلاح في عالمنا، يضيق المقام عنها. والمهم أن لا نكون جزءاً من الإفساد باسم الإصلاح، بل أن نكون جزءاً من الإصلاح الصحيح، بالتمسك بأمر الله عز وجل وشرعه وسُنّة نبيه صلى الله عليه وسلم على بصيرة وعلم ونور.

التعليق