مقال في مفهوم الإرهاب

تم نشره في الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2016. 11:09 مـساءً
  • فرنسيون يضعون الزهور والشموع في مكان حادث الدهس الارهابي بمدينة نيس الشهر الماضي - (ا ف ب)

د. سعود الشرفات*

الإرهاب، كغيره من المفاهيم، من مثل الحضارة، والعولمة، والثقافة، والعنصرية، والقومية، والجنس، والعرق... هو من نتاج الحداثة (الأوروبية) بعد عصر التنوير والثورة الصناعية، وما تبعتهما من تطورات وتداعيات متسارعة، شكلت المنظومة المعرفية لأوروبا والغرب المعاصر.
وإذا كنت تبحث عن تعريف محدد للإرهاب؛ فلا تبحث عنه هنا. فأولاً، ليس من أهداف هذا المقال البحث عن تعريف محدد متفق عليه للإرهاب. وثانياً، فإنني شخصياً لا أميل البتّة إلى التعريفات اللغوية واشتقاقاتها أوتوليدها لتستوعب ظواهر جديدة؛ إنها كحياكة قميص جديد لجثة قديمة. ثالثا، هناك فصل واختلاف كلي بين معنى المفهوم في السابق، وبين المراد به ومآلاته والإرهاب المعولم في الحقبة الحالية من العولمة.
وتشير معظم أدبيات ظاهرة الإرهاب إلى أن أولى المحاولات الجادة لتعريف مفهوم الإرهاب الحديث ترجع إلى العام 1934، حينما قام جي. بي. أس. هاردمان، في مقالٍ له بموسوعة العلوم الاجتماعية، بتعريف الإرهاب بأنه: المنهج أو النظرية الكامنة وراء النهج الذي بمقتضاه تسعى مجموعة منظمة أو حزب ما إلى الوصول إلى أهدافه المعلنة بالاستخدام المنهجي للعنف بصورة أساسية.
لكن لم يتم إلى الآن، بالرغم من كثرة محاولات الباحثين والدارسين؛ أفراداً وجماعات وحكومات، الوصول إلى تعريف محدد متفق عليه. لذلك، تعددت التعريفات وتنوعت، حتى بلغت أكثر من مئتي تعريف. وهذه الكثرة فرضت مشكلة أبستمولوجية للباحثين والدارسين، أكثر مما ساهمت في سهولة دراسة الظاهرة.
يشكل الإرهاب أحد أشكال الصراع  السياسي-الاجتماعي. ونظراً إلى أنّ الحرب كانت وما تزال حتى الآن، أهمّ هذه الأشكال، فإن الإرهاب يمكن أن يكون ثاني هذه الأشكال أهمية في عصر العولمة، نظراً لما يترتّب عليه من نتائج. وهناك اتجاهات مستقبلية لأن يصبح إدراك ظاهرة الإرهاب أوسع وأعمق بفعل آليات العولمة التكنولوجية.
لقد كانت دراسة ظواهر الصراع، ومنها الإرهاب، مشكلة تواجه الباحثين في علم الاجتماع والعلاقات الدولية والعالمية. كما أن قِصَر عمر الدراسات في هذا المجال "بخاصة استخدام المناهج النقدية والكمّية، حال دون قدرة الباحثين على إعطاء إجابة شافية". وتبقى المشكلة هنا متمثلة في صعوبة جمع المعلومات عن ظواهر الصراع كالإرهاب. وهي صعوبة أكبر مما يحاول بعض الباحثين أن يصوّرها.
إذ على الرغم من وجود الأمثلة الكثيرة على الأحداث الإرهابية تاريخياً، إلا أن الإرهاب بشكله الحديث ظهر في منتصف القرن التاسع عشر. وتعود كلمة "إرهاب" الإنجليزية إلى اللغة الفرنسية، المعتمدة بدورها على أصل لاتيني، وتعني "تخويف"؛ وهي ترجع تاريخياً إلى العام 1795، عندما استخدمت لوصف أعمال ما يسمى "جماعة اليعاقبة"، بقيادة ماكسيمليان روبسبير، بعد الثورة الفرنسية. إذ أشاع هؤلاء استخدام هذه الكلمة للتعريف على أنفسهم، وقد وصفت تلك الفترة (1789–1799) بفترة "الرهبة" أو "الرعب". أما المعنى الإنجليزي، فقد شاع عندما استخدمه الفيلسوف السياسيّ المحافظ إدموند بيرك الذي كان يعارض الثورة (الفرنسية) بشكل عامّ، والإرهاب بشكل خاصّ.
ونقلت هجمات تنظيم القاعدة الإرهابية في 11أيلول (سبتمبر) 2001 ضد الولايات المتحدة، وما تلاها من تداعيات طويلة ومعقدة -أحدثها موجة الإرهاب المعاصر على يد تنظيمات مثل "داعش" و"جبهة النصرة" و"بوكو حرام"- موضوع دراسات الإرهاب السياسي نقلةً نوعيةً؛ من كونه واحدا من أوجه استخدام العنف المسلح، ليصبح أهم ملمح في نظرية العلاقات الدولية والعالمية المعاصرة، لما له من تأثير على السياسات الدولية والعالمية، خاصة في ظل العولمة.
إن للإرهاب تاريخاً طويلاً، لكن دراسته وتحليله لا يتمتعان بالأمر ذاته. وهو كحقل دراسي مهم انتشر كالفطر خلال العقود الثلاثة الماضية، لكن رغم ذلك فإن هناك استحالة في إيجاد تعريف واحد متفق عليه، كما أن الروابط والتشابك بين الأسباب الاقتصادية والاجتماعية، كأسباب رئيسة في انتشار الإرهاب، ضعيفة جداً. ونحن نرى أن نظرية الأسباب الاقتصادية والاجتماعية متهافتة لا تصلح لتفسير الإرهاب المعاصر في ظل العولمة.
وتعود أولى محاولات مناقشة موضوع الإرهاب من الناحيتين القانونية والسياسية إلى مجلس عصبة الأمم، العام 1937، عندما ناقش المجلس وضع تعريف خاص للإرهاب الدولي. إلا أنه بسبب الخلافات والصراعات الأيديولوجية في ذلك الوقت، لم يتم التوصل إلى صياغة نهائية بهذا الخصوص. وانتقل الأمر إلى الأمم المتحدة، لكنه بقي على ما هو عليه، برغم وجود اثنتي عشرة اتفاقية دولية وإعلانا دوليا بخصوصه. وكانت أول الاتفاقيات الدولية التي تعاملت مع الموضوع اتفاقية الأمم المتحدة للتعامل مع عمليات خطف الطائرات وسلامة الطيران المدني، والتي وقعت العام 1963 في طوكيو، ثم تلت بعد ذلك الاتفاقيات المماثلة.
لكن بعد الهزة التي أحدثتها هجمات 11أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية، صدرت مجموعة قرارات دولية بشأن الإرهاب، مثل القرار 1368، الصادر عن الأمم المتحدة، في 12 أيلول (سبتمبر) 2001، بشأن مكافحة الإرهاب؛ ثم قرار مجلس الأمن رقم 1373، في 28 أيلول (سبتمبر) ذاته، والذي سمح للولايات المتحدة باستخدام القوة من دون حدود ضد الإرهابيين والمشتبه بهم، وضرورة التعاون الدولي لمنع تمويل الأعمال الإرهابية والإعداد لها.
ويرى منظر اللسانيات الأميركي المثير للجدل نعوم تشومسكي، أن "مفهوم الإرهاب صار مقصوراً على ما يفعله الآخرون بنا، أما ما نفعله بهم، حتى وإن كان أكثر وحشية بألف مرة، فهو ليس إرهاباً. هذا هو قانون التاريخ طالما أن التاريخ يكتبه الأقوياء".
وتمّ سَنّ مجموعة ضخمة من التشريعات المضادة للإرهاب، استنادا إلى تعريفات ملتبسة لمفهومه. ثم جرى على نطاق عولمّي استعمال التهديد الإرهابي والتخويف منه بهدف تكميم الأفواه أو قمع المعارضة ومصادرة الحريات الشخصية. وأفضت الحرب على الإرهاب إلى ازدهار صناعة الرعب وصناعة المراقبة الحثيثة، الأمر الذي زعزع التواصلية والثقة والتفاهم والتضامن بين البشر.
وعلى الرغم من كل المحاذير والإجراءات التي اتخذتها الأطراف الفاعلة من الدول لمحاربة الإرهاب، إلا أن المؤشرات تدفع باتجاه تأكيد تزايد خطر وتهديد الإرهاب والعمليات الإرهابية في العالم، وبخاصة في الدول التي كانت وما تزال على الخط الأمامي للحرب على الإرهاب، مثل العراق وأفغانستان وسورية وليبيا واليمن. وبناءً عليه، يمكن تفهم القلق العالمي من استمرار تهديد الإرهاب والتحذير منه كخطر محدق ووشيك للأمن العالمي، بما يسببه من فوضى عالمية عارمة، وإثارة خلافات وجدل داخلي في أوساط النخب الحاكمة والشعوب.
ويمكن القول إنَ الإرهابيين يستخدمون ما اصطلح على تسميته "الحرب المركبّة"؛ بمعنى دمج جميع العناصر المتاحة في حالات الحرب، سواء كانت عسكرية أو مالية أو إعلامية، بقصد فتح جميع الجبهات وتحويل الضغط إلى معسكر الخصم.
ويؤثر الإرهاب بشكل سلبيّ على الحريات الفردية والديمقراطية في الدول التي تتعرض أو يهددها الإرهاب، مشكلاً "دائرة مغلقة"؛ بمعنى أن مكافحة أو مقاومة الإرهاب تستدعي التنازل عن بعض الحريات الفردية، وعن الكثير من مظاهر الديمقراطية التي تعدّ أساس العولمة في الغرب.
لذلك، نرى أنَه من الضروري كسر هذه "الدوائر الشريرة" من خلال التأكيد على ضرورة صيانة الحريات العامة في الوقت نفسه الذي يحارب فيه الإرهاب.
ومن الضروري التنبيه إلى أن اختلاط مفهوم الإرهاب والمقاومة ببعضهما يجعل الباحث في الظاهرة أمام إشكالية كيفية الفصل بينهما، باعتبار المقاومة أمراً مشروعاً، فيما الإرهاب أمر غير مشروع.

*مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب

التعليق