قبل أن تقوم "قيامة" القوائم الانتخابية

تم نشره في الاثنين 29 آب / أغسطس 2016. 12:00 صباحاً

أحمد أبو خليل

في الكلام الانتخابي الدائر في البلد، يحضر سؤال "من هو مرشحك؟" أكثر من سؤال "من هي قائمتك؟". في الواقع إن هذا السؤال الأخير يكاد يكون هامشياً أو غائباً كلياً، ومن المرجح أن يقتصر حضوره الفعلي على اللحظة الأخيرة عند التصويت ولغايات فنية بحتة.
بقدر قليل من المبالغة، يمكن القول إنه ثبت أن الجميع (مرشحين وناخبين) يريدون الصوت الواحد من الناحية الفعلية. صحيح أن الصوت الواحد مشجوب رسمياً (بمعنى شكلياً) عند الأفراد والجهات، لكن ربع قرن من تطبيقه حوّله إلى ثقافة سائدة، وعندما يترافق الأمر مع تراجع دور وصورة المجلس النيابي في الحياة السياسية، وتراجع التيارات والأحزاب السياسية، يصبح الصوت الواحد الشكل الأكثر تعبيراً عما يريده الناس من الانتخابات. والمفارقة أنه قيل رسميا من أطراف الحكومة عند إعلان القانون الجديد، إن الصوت الواحد أدى دوره، ولم يقل أحد إنه كان خطأ، ومن دون أن يفصَح عن دوره الذي أداه.
لاحظتم بالتأكيد، أن النشاط الانتخابي انطلق هذه المرة أيضاً من المرشح الفرد، إذ أفرزت الكتل الاجتماعية مرشحيها، ثم "احتارت" ماذا تفعل بهم! إذ لا بد للمرشح من شركاء في الترشيح، ولكن الناس غادروا منذ زمن طويل فكرة "الشركاء في الانتخابات"، وذلك باستثناء ما كانت تتفق عليه الكتل الاجتماعية (عشائر، قرى، روابط أبناء مناطق) من دَوْر أو ترشيح بالتناوب بين الراغبين (هذه المرة لك والقادمة لنا).
الواقع أن مسارات تشكيل القوائم جديرة بالتأمل: فبالنسبة لأي من المرشحين، هناك فرق بين أن "تنزل معي" أو "أنزل معك"، وفرق بين أن أبادر بطلب مشاركتك، او أن تبادر أنت بطلب مشاركتي. هذا بالنسبة للمرشحين الأقوياء الطامحين فعلاً للنجاح. أما المرشح الذي يريد أن يجرب حظه، فقد وجد نفسه يتحرك انتخابياً وفق قاعدة "رافق المِسْعَد تسعَد"، لا سيما وأن "المسعد" هذه المرة مستعد لأن يتحمل تكاليف مرشح ضعيف يخدمه ولا ينافسه، فهو يجلب له الأصوات للقائمة، ولا ينافسه على المرتبة الأولى داخلها. ولكن بكل الأحوال، لسان حال المرشح يقول لزملائه: لا ترني وجهك حتى النتائج.
مرة أخرى، فإن الإسلاميين -بتفرعاتهم- هم الطرف الوحيد الذي تصرف بما يشبه الحزب، أما باقي الأحزاب فلم تتمكن من السيطرة على أعصاب الرفاق والرفيقات. وبالمناسبة هذه المرة، قبل مرشحو جميع الكوتات (دينية، قومية، جنسية) بمرتبة دنيا في القوائم، باستثناء عدد من النساء المرشحات اللواتي نقلت أخبارهن بصيغة "فلانة تشكل قائمة"، هنا الأمر مختلف قليلاً، إذ يتنافس رجل قوي مع السيدة "صاحبة القائمة" على المرتبة الأولى، وقد جرى التعبير عن ذلك من خلال عرض الصور الجماعية.
عندما أقول إن الإسلاميين تصرفوا بما يشبه الحزب، فذلك نظراً لطبيعة المسلك "غير الحزبي" أي غير المؤسسي الذي رافق تشكيل قوائمهم، فبعض المرشحين أصر على أن يخوض حملته الفردية بمعنى أن يظهر استقلاليته عن التنظيم أمام "جماعته الاجتماعية"، وحتى في القوائم الإخوانية الرسمية (ذات اللون الذهبي مع البني المُحْمَر)، فقد حرص مرشحون على "تعريض أكتافهم" في الصور بما يخالف الواقع، وعلى حساب آخرين ذوي أكتاف عريضة جسدياً، لكنها غير عريضة حزبياً أو عشائريا ومناطقيا.
تختلف القوائم في مستوى احترام الأداء العام الذي تظهر فيه، مُعبّراً عن ذلك في الصور الجماعية المعروضة في الشوارع. فهناك قوائم تُظهِر احتراماً داخليا معقولاً بين أعضائها، ومن غير المعروف إن كان ذلك سيصمد أو سيستمر حتى توجيهات التصويت، وهناك قوائم بادرت إلى تنويع صورها، بحيث تحافظ على أولوية قائدها أو "صاحبها"، وهناك قوائم برأسين سوف يحاولان تجنب النظر المباشر في عيون بعضهما البعض.
إن عدد الأوراق التي تنزل في الصناديق "صَب"، بمعنى أنها تحمل كافة الأسماء المشتركة في القائمة، سيحدد مستوى الإحترام بين الحلفاء. وستقارن القوائم بعدد الأصوات "الصّبّ" التي حصلت عليها، بينما يقارن المرشحون بعدد أصواتهم الفردية، وسيكون لذلك تداعيات على مستوى الاجتماع السياسي (المحلي) في كل منطقة، وتكمن الخشية في أن يدعي كل مرشح أن أصواته التي حصل عليها تشكل رصيداً شخصياً له يمكن استثماره في الانتخابات القادمة.

التعليق