محمد أبو رمان

عن الدين والدولة المدنية

تم نشره في الخميس 22 أيلول / سبتمبر 2016. 12:09 صباحاً

بالرغم من انتهاء الحملات الانتخابية والنقاشات التي أثيرت فيها، فإنّ هنالك قضايا جوهرية وأساسية من الضروري أن تحظى باهتمام أطول وأعمق في نقاشات وحوارات النخب السياسية، وليس فقط في مرحلة الانتخابات.
من ضمن هذه القضايا - التي تمسّ ثقافتنا وحياتنا اليومية وأنظمتنا- الجدل عن الدولة المدنية والدين، الذي أثير بين بعض الإسلاميين والليبراليين والقوميين مؤخراً، وكتب أمس الدكتور مروان المعشّر مقالاً مهماً (في الغد) يوضّح أفكاره عن الموضوع، وأتفق معه تماماً 100 % في كل ما قاله، وذلك في مواجهة طرفين رئيسين؛ الأول العلماني المتطرف، الذي يريد حرف وجهة النضال من العمل لتحقيق الديمقراطية إلى مواجهة مفتوحة مع أطياف الإسلام السياسي كافّة، والثاني الإسلاميون الذين يردّون مصطلح الدولة المدنية، بدعوى إقامة دولة "إسلامية"، وكأنّ الإسلام يتناقض مع المدنية!
ضمن هذا السياق يرى المعشّر أنّ الإسلام لا يتناقض مع الدولة المدنية، وثانياً أنّ الطرف المضاد للدولة المدنية هي السلطة الدكتاتورية، وليس الدين، وثالثاً ضرورة الاقتران بين الدولة المدنية والديمقراطية، وهي ثلاثة مبادئ مهمة وأساسية، برأيي، في ترشيد النقاش الحالي.
لكن قبل الخوض في نقاشات فكرية وسياسية من قبل الجميع أظن أنه من الضروري تعريف المصطلحات وتحديدها، ما المقصود بالدولة المدنية والدولة الدينية وما هي الديمقراطية؟ لأنّ كثيراً منا يبني أحكاماً وأفكاراً ويخلص إلى نتائج من دون أن يدقق في المفاهيم وتعريفها بصورة جليّة، فهذه المصطلحات تحديداً ضبابية ورمادية ولها مئات التعريفات، سواء تحدثنا عن العلمانية أو الدولة الدينية أو الديمقراطية حتى، أما الدولة المدنية، تحديداً، فلا يوجد تعريف دقيق علمي لها من قبل الدارسين والمفكّرين.
لو أخذنا مثلاً أحد أبرز المفكّرين الأردنيين والمتخصصين في الفلسفة على مستوى العالم العربي والإسلامي، د. فهمي جدعان، وهو ليس إسلاميا كما تعرفون، وله موقف نقدي منهجي من الإسلاميين، فقد كتب أحد أبرز المؤلفات في هذا المجال "في الخلاص النهائي: مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين"، وفكك فيه المقولات السياسية للعلمانيين والليبراليين والإسلاميين، وقدّم خلاصة على غاية من الأهمية في إمكانية بل ضرورة إنتاج المركّب الإسلامي العلماني الليبرالي.
وسيكون متوافراً باللغة العربية قريباً جداً، خلال معرض عمان القادم للكتاب، كتاب آخر مترجم للباحث نادر هاشمي، بعنوان "الإسلام، العلمانية والليبرالية الديمقراطية: نحو نظرية ديمقراطية للعالم الإسلامي" (ترجمه للشبكة العربية للنشر الصديق الألمعي أسامة غاوجي، وتشرفت بتقديمي للنسخة العربية).
 في كتابه يناقش هاشمي أزمة العلمانية في العالم العربي، ويقرّ بأنّ العلمانية بمثابة شرط للديمقراطية، لكن مشكلة "العلمانية العربية" أنّها اكتسبت سمعة سيئة ودخلت في صدام مع التيار الإسلامي عموماً، بدلاً من أن تحوّل تطوير السياسات الدينية نحو الإصلاح الديني، كما حدث في أوربا، حتى تصل إلى نقطة يصبح فيها القبول بالعلمانية (أو المدنية بالحدّ الأدنى) والديمقراطية نابعاً من قناعات الناس الدينية ورؤيتهم لمصالحهم السياسية والاقتصادية.
 المهم في هذا الكتاب أنّ المؤلف يبني "نظريته" على المقارنة بالتاريخ الأوروبي وولادة العلمانية والديمقراطية هناك، بصورة دقيقة وعلمية وموضوعية، تبعدنا عن الأفكار الارتجالية والسجالات الأيديولوجية المعلّبة المفرغة من المحتوى المعرفي الدقيق.
 الإسلاميون ليسوا جميعاً ضد الدولة المدنية، فمن يتابع الخطاب التونسي والمغربي الإسلامي يجد أنّ هنالك تقدماً كبيراً في هذا المجال، وكذلك الحال لدى بعض إسلاميي الأردن ومصر، ويمكن هنا العودة إلى كتاب "إسلام بلا خوف" لوليام بيكر، كأحد المراجع المهمة في النقاش حول وجود خطاب إسلامي يمكن تطويره باتجاه القبول بالديمقراطية والمدنية والتصالح مع العصر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دولة المواطنة هي الحل (محمود الحياري)

    الخميس 22 أيلول / سبتمبر 2016.
    نشكر الكاتب الاستاذ الكبير الدكتور محمد ابو رمان على اضافته وفكره الراقي ودعوته الخالصه للاتفاق اولا على مفهوم وتعريف المصطلحات لكل من الدولة المدنية والعلمانية والليبرالية للوصول الي مانريد بان يكون الاردن مثالا في المنطقة بالتصرف بالشكل الصحيح وبالاعتدال فضلا عن التمسك بمحاربة التطرف بكل اشكاله ،ونرى ان دولة المواطنه لزرع الخير والسير في عملية الاصلاح وحفظ كرامة المواطن ونهضة الوطن والوقوف مع نبض الشارع ومعالجة فقره وجوعه وحرمانه هي الحل.الامر الذي يتطلب على صياغة سياسات اقتصاديه لحفز النمو وخلق فرص عمل ورفع الانتاجيه وتحسين التنافسيه في ظل دولة المواطنه وتعزيز دولة المؤسسات والقانون وصينة الحريات وحقوق الانسان واستقلال السلطات ومبدا الفصل بين السلطات ومحاربة الفساد والمفسدين والشكر موصول للغد الغراء لافساح المجال امامنا للمشاركة والتفاعل مع كتابها وادبائها المبدعين عبر فضائها الرقمي الحر والله الموفق
  • »"القانون الناظم" (يوسف صافي)

    الخميس 22 أيلول / سبتمبر 2016.
    الى صاحب التعليق تحت اسم "علان بن فلان"خاصة وللقارئ الكريم ؟؟ ان اي دولة وتحت اي مسمى لابد من ناظم لها الا وهوالتشريعات (الشعب مصدر التشريع) وحتى لاتغيّب العقل والكرامة يجب ان تتوائم مع مكنونات المجتمع بكل معاييرها وصنوفها من ثقافة وقيم وسلوكيات عادات وتقاليد كمعييار متحرك والمعيار الثابت العقيدة (الشخصية الذاتية لكل مجتمع اودولة) والإستفادة من اي من المعايير المتحركة والقوانين التي افرزتهاا لمجتمعات الأخرى بعد فرزها واخذ المناسب دون تغول واوتقليد اوتبعية؟؟؟ودون ذلك "التشريعات الداخلية والخارجية الوافدة عن طريق الغير "في حالة عدم توائمها ومكنونات المجتمع من قيم وثقافة وعقيدةوالخ.."تخلق صراع المعايير التي تضع المجتمع على قاعدة رملية ساخنة لايدري "كيف يستقر والى اي إتجاه يسير" ؟؟؟؟ "ولايغير الله مابقوم حتى يغيروا مابانفسهم"
  • »قانون عشائري او قانون مدني!!!!!!!! (خالد صالح)

    الخميس 22 أيلول / سبتمبر 2016.
    لماذا هذا الكلام الان؟هل هناك في المستقبل المنظور او غير المنظور ان يكلف جبهة العمل الاسلامي بتشكيل الحكومة واختيار أعضائها بعد نجاحه في كسب الأغلبية في البرلمان وطبعا بعد تغيير القانون الجديد الذي لا يختلف عن قانون الصوت الواحد(لان هناك صوت واحد محسوب فقط للقائمة)،وهل ستكون له صلاحيات داخلية وخارجية،عندها فقط نستطيع مناقشة دولة مدنية او دينية،
  • »تعريف الدولة المدنية (عمار تيسير)

    الخميس 22 أيلول / سبتمبر 2016.
    اعجبني تعريف الدولة المدنية التالي : الدولة المدنية هي تحرير السياسة (العمل العام ) من القداسة
    هي دولة القانون هي دولة تسعى للاعتماد على نفسها و تعمل لخدمة مواطنيها
  • »اولا (علاء بن فلان ال علتان)

    الخميس 22 أيلول / سبتمبر 2016.
    الكثيرون يعلمون علم اليقين، و انا منهم، ان تركيبة الدولة الاسلاميه الديمقراطيه المدنيه و المتصالحه مع العصر هي تركيبه صعبه للغايه و سوف تنتج مولود معاق لن يعيش لفترة طويله من الزمن. لا يمكن ان تكون متزمت الرأي منفتح الافق بنفس الوقت. لا يمكن على الاطلاق المزج بين كل هذه الالوان. و اسمح لي ان اضيف نقطه مهمه جدا هنا و يبدو ان الكثيرين ينسون او يتجنبون ذكرها و هي الدوله المدنيه و دولة العشائر ، و هما ايضا لونان لا يمكن ابدا مزجهما لانهما كما نعلم متضادان جدا. دعونا نتفق اولا ان نموذج الدوله الحاليه بحاجه ماسة الى التغيير حتى نسمح للانسان ان يعيش حياه افضل له و للاجيال القادمه. دعونا نتفق ايضا على ان الانسان قبل كل شي، حتى قبل الدين و السياسه. دعونا نتفق ايضا ان الدوله الاسلاميه كما هو واضح و جلي للعيان هي نموذج غير مجدي. نموذج الدوله القادمه و بغض النظر عن اسمها و شكلها و مضمونها يجب ان تضع المواطن و كرامته و عقله قبل اي اعتبارات دينيه كانت او سياسيه.