تعديل المناهج: ما المشكلة؟!

تم نشره في السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016. 12:05 صباحاً

المثال الشائع عن تعديل المناهج الدراسية، الذي أقرّته وزارة التربية والتعليم مع مطلع العام الدراسي الجاري، وهو من كتاب الصف الأول الابتدائي، ومضمونه تعليم الأطفال "آداب استعمال الحمّام"، عوضاً عن "آداب دخول الحمام والخروج منه"، الذي كان مدرجاً في المنهاج السابق، يشبه إلى حد بعيد تعليم المواطن أن "الدين المعاملة" كما يقول الحديث الشريف، عوضاً عن تعليمه أن الدين محصور في الشعائر والأدعية. فما المشكلة؟!
إنها تشبه تعليم المواطن أن إيقاف سيارته في منتصف الشارع، وتعطيل حركة السير، بحجة أنه يريد الصلاة في المسجد، ليست مبررة ولا مقبولة، ولا حتى بحجة الصلاة، إذ ما يصنع الله بصلاة المرء وصيامه إن كان يؤذي الناس من حوله؟
إنها تشبه تعليم الناس أن الآداب العامة قضيتها علاقة الفرد بالناس، لا علاقته بالشعائر (ومن دون إغفال الشعائر بالضرورة).
إنها –بكلمات أخرى- تشبه تعليم الناس "التقوى"، التي هي المُراد الحقيقي للدين.
لهذا يحدّث المنهاج الجديد طلبة الصف الأول الابتدائي عن تنظيف الحمام بعد استخدامه، عوضاً عن دعاء الخروج من الحمام، كما في المنهاج القديم. أيهما –حقاً- أولى وأنفع: أن يتعلم الطفل ترك الحمام وراءه نظيفاً حتى لو لم يقرأ الدعاء، أم يتعلم أن دوره يكتمل وضميره يرتاح بمجرد ترديد الدعاء؟!
الذي يرتاح ضميره بالدعاء ولو ترك الحمام غير نظيف، هو ذاته الذي يرتاح ضميره بمجرد أداء الصلاة، حتى لو كانت سيارته تعطّل حركة الناس على باب المسجد! لذا، ليس غريباً أن منظومة الأخلاق المعمول بها حالياً في مجتمعنا، تركّز على ما هو خاص في حياة الفرد، ولا تلتفت كثيراً إلى ما هو عام. إنها تتحكم بسلوك الفرد في حياته الخاصة؛ فتتدخل في لباسه وهندامه، وطعامه وشرابه، وخصوصياته اليومية، وتمنح الآخرين الحق في مراقبتها والتعليق عليها، ومن ثم تقرير مدى "أخلاقية" المرء من عدم أخلاقيته، لكنها ليست معنية بسلوك الفرد في الحياة العامة، تجاه الآخرين وتجاه المجتمع الذي يعيش فيه؛ فلا يضيره أن يلقي القمامة في الشارع العام، أو أن يكسر مقعداً في الحديقة العامة: لن يقول عنه أحد ساعتها إنه بلا أخلاق!
ما المشكلة، والحالة هذه، في تعديل المناهج باتجاه "الآداب العامة" التي تحقق –في ما تحقق- جوهر الدين عوضاً عن شكلياته؟ المشكلة أن ما يجري نقده في المناهج الجديدة، ليس مضامينها، بل نوايا القائمين على تعديلها! ولولا ذاك لانحصر الحديث في محتويات المناهج الجديدة، بدل أن يتركز على محاكمة الأهداف غير المعلنة لمن قاموا بالتعديلات، والحُكم سريعاً بأنهم يستهدفون الإسلام ومكانته لدى الأجيال الجديدة!
لماذا القفز إلى النوايا؟ تلك الطريقة التي تسميها الثقافة الشائعة "عقلية المؤامرة"، لن تنتج سوى تكريس سطوة من يعتبرون أنفسهم أوصياء على الآخرين، من كافة الأطراف: من يمارسون وصايتهم علينا بدعوى الحفاظ على الإسلام، ومن يمارسونها بدعوى السعي لتقدمنا!
علينا أن ندرك أن الإسلام ثقافة أمتنا كما هو دينها. ليس ممكناً لأي كان أن يستهدفه أو يغير مكانته. من مصلحتنا أن يتعلم أطفالنا جوهر الدين وفلسفته، ومفادهما احترام النظام العام، والملكيات العامة، وسلامة المجتمع ووحدته وحقوق الناس فيه، كما يتعلمون شعائره. وإذا أردنا أن نتقدم حضارياً، ونبني مجتمعاً متماسكاً، يتصرف أفراده على أساس أداء الواجبات والحصول على الحقوق، في مظلة من القانون والمؤسسية، علينا أولاً أن نكرّس منظومة قيمية تحكم على مدى أخلاقية المرء في ضوء سلوكه تجاه الآخرين، وتجاه ما هو عام ومشترك بين الناس، لا في ضوء حياته الخاصة وسلوكه تجاه ذاته، أو تجاه الله!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الدعاء لم يحذف (منى)

    الأحد 9 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    مع تأييدي لكل كلام الكاتب الا ان دعاء دخول الحمام لم يحذف بل نقل للصفحة المجاورة تماما للدرس
  • »مقال جوهري (رشاد)

    الأحد 2 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    مع احترامي لجميع المتحفظين على المقال، اجد انه يدعو الى نهج إيجابي ١٠٠/١٠٠. لا داعي للشك في نوايا التغييرات في المناهج فحان الاوان للتركيز على جوهر الدين و التخفيف من شكلياته فالدلائل أمامنا و الامثلة واضحة مثلا ما رأيكم بحالة الأخلاق العامة و احترام الاخر في السعودية مقارنة بماليزيا؟ انظر الى أين أدى التركيز على شكليات الدين ؟ لا اريد ان اطيل بالامثلة اعتقد ان الفكرة واضحة جدا و علينا ان نسارع بهذه التغييرات
  • »ببساطة (مخلد صعوب /تربوي مارست التدريس 38 عام)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016.
    لو ان وراء الأكمة ما وراءها لما حذف الدعاء في الصورة الأولى ، ويمكن اضافة (اقفل الباب خلفي) لنفس الصورة اما الصورة الرابعة فقد اضيف لها لا تسرف في الماء، مع انهم حذفو اية تحث على عدم الاسراف من درس اخر فما الذي يرهب لو بقيت كلمة غفرانك، وحبها لو ان الكاتب يتناول كل الحذف الذي وقع للمناهج
    ايها السادة هناك فرق بين التطوير والحذف
  • »ما هذا التهجم على شعائر الاسلام؟ (lماهر)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016.
    كيف يتهم ويتهجم كانب المقال ويربط بين ان الذي يدعو بدعاء الحمام لا ينظف الحمام؟
    اي تدمير لشعائلر الاسلام هذا الذي تدعون بحجة التطوير ؟
    اين التطوير الحقيقي ؟
    اذا كان التطور الحقيقي عندكم بتن نترك ديننا وشعائرنا
    فدعونا نعبدالله ونتبع رسوله ولا نكرهكم ان تعبدوه
    فلا اكراه في الدين
  • »الاسلام دين الاخلاق (محمد ابو شاشيه)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016.
    لماذا تناسيت الحديث الشريف اماطة الاذى عن الطريق صدقة ؛ و غيره من الايات و الاحاديث .
    لو كانت النوايا صادقة و تطويرية ما المانع ان يكون التعديل بتنظيف الحمام و عند الخروج قراءة دعاء الخروج ؛ لماذا استبدل اسم فاطمة ب لميس و محمد ب منير و عشرات الامثلة .
    النوايا غير صافية و تهدف الى طمس الهوية الدينية ولكن هذا ضرب من الخيال .
  • »التعديل بدون اتهام (خالد يوسف)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016.
    استغرب هذا الطرح ووضع الادلة للتغيير في المنهج. ان وضع كلمة تطوير للمناهج واستهداف الايات فقط يعتبر بحد ذاته اتهام للدين مرفوض. فليتم التطوير بالصياغات والمضمون لتحقيق الاهداف دون اتهام او تجريم للايات
  • »مقال محايد (محمد منير)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016.
    علي ان اعترف... كنت اتمنى ان اجد في مقالك ما انتقده وانتقدك، بل وان يكون مدخلا لاتهامك بالتحيز!! للامانة لم اجد من ذلك شيء. على العكس، وجدته متزنا محايدا.. واجدني مضطرا لان اشكرك عليه!
  • »ألحمام (محمد الزعبي)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016.
    وعبر هذه العقود...لا زال الحمام في المدرسة قذرا ولا يمكن استخدامه...والشارع مليء بالنفايات.
  • »تعديل المناهج ما الغرض منه! (حامد باكير)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016.
    استغرب من القائمين على تعديل وتطوير المناهج قيامهم بتعديل بعض العبارات التي ليس لها علاقة بتطوير المناهج فمثلا ما الهدف من تغيير اسم محمد في بعض الجمل ووضع اسم منير هل لهذا علاقة بتطوير المناهج وكذلك حذف بعض الادلة القرانية من المنهاج ما الهدف منها.. مجرد سؤال
  • »عبر العقود نجحت مناهج وزارة التربية والتعليم بتخريج أعداد هائلة من مهندسين وأطباء وصيادلة ومحامين ومعلمين (تيسير خرما)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016.
    عبر العقود نجحت مناهج وزارة التربية والتعليم بتخريج أعداد هائلة من مهندسين وأطباء وصيادلة ومحامين ومعلمين فشل اقتصاد الأردن المحدود باستيعاب فائض كبير منهم فاغتربوا وأنشأوا عبر العقود بنية تحتية هائلة لدول شقيقة من لا شيء وأصبح الأردني مطلوب ومفضل لدى دول عديدة بمجالات متنوعة وبينت تقارير دولية تقدم مكانة الأردن في التعليم حتى على دول متطورة، بالتالي يجب وضع حد لشريحة تحاول اختطاف الأردن وتعادي نجاح الأردن وثقافته العربية الإسلامية وتمارس جلد الذات والمبالغة بترويج ضرورة تغيير المناهج جذرياً.