"فتنة القتل": محاولة في الانتصار لـ"الحياة" على "الموت"

تم نشره في الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2016. 12:00 صباحاً

د. نارت قاخون

تُعلي جميع الأديان والنُّظم الأخلاقيّة نظريّاً من "قيمة الإنسان"، و"حُرمة دمه وحياته ووجوده". لكنّ التجربة الإنسانيّة الممتدة آلافاً من السنين إلى يومنا هذا تمتلئ بمئات "المسوّغات" لقتل الإنسان و"شرعنته"!
واستطاعت هذه "المسوّغات" المستندة إلى "الدين" و"الوطن" و"الشرف" و"الحقّ" عبر "استعارات كثيرة" أن تجعل سؤال "قتل الإنسان" أيّ إنسان سؤالاً ثانويّاً مقابل أسئلة مثل: ما المسوّغ لقتل هؤلاء؟ أو أيّ القتل أكثر "تحضّراً"؟ ويصبح موقف الواحد منّا من "قتل الإنسان" مُرتَهناً بنظرته لـ"القاتل والمقتول"، فإن كان "القاتل" منّا وعلى ديننا ومذهبنا وتحزّبنا ومصالحنا، فإنّ "القتل مشروع"، بل هو "واجب ديني" أو "وطني" يستحقّ "القاتل" أن يُرفع مقامه في الدنيا والآخرة! أمّا "المقتول" فإلى الجحيم! ويصبح "المقتولون" صنفين لا ثالث لهما؛ "مجرمون" يستحقّون القتل، و"أبرياء" لا بأس من قتلهم؛ فهم "ضريبة ضروريّة" لا يُمكن أن نتجنّب دفعها! فالشرف والدّم مرتبطان في وعينا العميق كما عبّر المتنبيّ:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى "يراق على جوانبه الدم"
ويُصبح الشعار المقدّس: "مَن لا يَقتل يُقتل"!
وحين يكون "القاتل" غيرنا المخالف لنا، ويكون "المقتول" منّا، يصبح "القتل جريمة" لا مسوّغ لها، والقاتل مجرماً، والقتلى "شهداء وأبرياء".
هكذا يُصبح الموقف من "القتل" مجرّد انعكاس لموقعنا من معادلة القتل وطرفيها؛ "القاتل" و"المقتول"، وحين نقبل تجاوز الموقف الجذريّ الرافض لـ"قتل الإنسان" بكلّ أشكاله، ونُصرّ على وجود "قتل مسوّغ مقبول"، فإنّنا نُحدث في السدّ الرافض للقتلِ شرخاً سيؤدي إلى تهدّم السدّ، فتفيض الدماء "طوفاناً" يُغرق الجميع.
إنّ "التأوّل للقتل" قد يكون أشدّ من "القتل نفسه" لما يتمتّع به من قدرة على "التوسّع" أولاً، و"التسويغ" ثانياً؛ و"الإيهام براحة الضّمير" ثالثاً، فمَن يرى "قتل بعض المخالفين" جائزاً أو واجباً، فإنّه لن يلبث حتى يوسّع دائرة هؤلاء المخالفين، لتتوسّع "دائرة القتل المسوّغ"، وحينها لن يمنعه من التحوّل إلى "القتل فعلاً" إلا عجزه عن القتل، أو تغلّب خوفه من العقوبات والآثار على رغبته الكامنة بـ"قتل مخالفيه"، وهذه فضيلة من فضائل "الجبن والخوف الإنسانيّ"، وإن قام بـ"القتل" بعد تسويغه و"شرعنته" فلن يشعر بـ"الذّنب"، و"قلق الضمير"، بل سيرى فعله "شرفاً" أو "أجراً عظيماً"! ألم يقل الشاعر "عمران بن حطَّان" الخارجيّ في "عبدالرحمن بن مُلجم" قاتل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه:
يا ضربةً من تقيّ ما أراد بها    
إلاَّ ليبلغَ من ذي العرش رضوانا؟!
حتى قال "أحد العلماء" السابقين: "ولا خلاف بين أحد من الأمّة في أنّ عبدالرحمن بن ملجم لم يقتل علياً رضي الله عنه إلا متأوّلاً مجتهداً مقدِّراً أنّه على صواب"! والسؤال هنا: أليس هذا حال جميع "القتلة" أو أغلبهم؟!
يبدو الحديث عن "رفض قتل الإنسان" بأيّ مسوّغ "ترفاً فكريّاً وجدانياً عاطفياً" يُتهم "دعاته" بالسذاجة والرومانسية الغبية! إذ إنّ الدعوة إلى عالم "لا يُقتل فيه إنسان" تبدو دعوة "طوباوية" حالمة غير واقعيّة نظراً للتجربة الإنسانيّة المعتّقة و"نوازع الإنسان الوحشيّة التوحّشيّة".
ولكنّني أعتقد أنّ ترك قضيّة "قتل الإنسان" مفتوحة للتأوّل والتسويغ ولو في أضيق الحدود يؤدي إلى توسّعها وانتشارها وسيادتها على الفعل الإنسانيّ، لذلك لا أحلم كما حلم "ألبير كامو" حين قال: "لا نسعى لعالم لا يُقتل فيه الإنسان، بل لعالم "لا يُسوّغ" فيه قتله"، بل أشتطّ بالحلم و"السذاجة" لأحلم بعالم "لا يُقتل فيه إنسان"، وهو "حلم" يبدأ بموقف جذريّ من "القتل والموت"، فأقول: "مَن كان مُستعداً للموت من أجل قضيّة، كان مُستعداً للقتل من أجلها"، لذلك أردّد مع "راسل": "لستُ مُستعداً للموت من أجل رأيي، لأنّني -ببساطة- قد أكون مخطئاً فيه". وفي "القتل" كلّ المقتولين "أبرياء"؛ لأنّني أرفض "القتل" نتيجة "خطأ" في حساب المسافة بين "المجرمين" و"الأبرياء". وسيسألني سائل: أنستسلم إذن لمن يريد قتلنا؟ فأقول: ولمَ نختزل حماية النّفس بقتل مَن يريد قتلنا؟ سيجيب بعضهم: إذن أبشرْ بالفناء! فأقول: وأيّ معنىً لبقائنا إن كان لا يقوم إلا على فناء غيرنا؟
هذا الموقف "الرومانسي" الذي قد يوصف بـ"الساذج" أقوله الآن وأنا في فسحة من القتل، وبيني وبينه مسافة تُجيز لي "التفلسف والتّحلّم"، لكن لست أدري ما سيكون فعلي إن وقفت وجهاً لوجه أمام "القتل" و"القاتل المحتمل"!
حين يختار الإنسان "الموت" على "الحياة" فإنّه لا يفعل ذلك "يأساً" من "الحياة" بالضرورة، بل يفعل ذلك أحياناً نتيجة إيمان عميق يسكن الذات الإنسانيّة أنّ "الحياة المثلى والحقيقيّة" هي دوماً في "عالم آخر".
هذا "الإيمان" بتعالي "الإنسان" عن هذه "الحياة" إلى "حياة أخرى" هي أكمل وأمثل لا سبيل للعبور إليها إلا بـ"الموت" ليس محصوراً بـ"الإيمان الدّينيّ" بالضرورة، بقدر ما هو مدفوع برغبة عميقة وقويّة تسكن النفس الإنسانيّة لتجاوز "حتمية الموت"؛ فإذا كان "الموت" الحقيقةَ الكبرى، فلا بدّ أن يكون له معنى، فإنّ "موتاً بلا معنى" يعني "حياة بلا معنى"، وحتى يكون لـ"الموت" معنىً فلا يُمكن أن يكون "فناءً وعدماً"؛ فالفناء والعدم لا وجود ولا معنى، وعليه فإنّ "الموت" ينبغي أن يكون بوابة العبور إلى "الخلود"، وهذا "الخلود" لا يكون إلا في "عالم آخر" متعالٍ عن هذه "الحياة" المقهورة بـ"الموت".
تتعدّد "العوالم الأخرى" التي يتعالى بها "الإنسان" ويسعى إليها، ولكن يظلّ "العالَم الذي يجعلك بين يدي الله" أكثر العوالم وفاء بأسئلة "الموت والحياة"، لأنّه "عالم" يضمن "الخلود الشخصيّ للإنسان"، فقد يُرضي "الخلودُ في الذاكرة الإنسانيّة" بعض "النّاس"، فيسعى لصناعة أثر لا يزول في "الحياة"، ولكن هل يكفي "خلود أسمائنا" دون خلود "ذواتنا"؟ ما قيمة "خلود" ليست "الذات نفسها" جزءاً منه، ولن تكون شاهدة عليه؟
إنّ الإيمان بحياة أخرى يضمن وجودَها وخلودَها "اللهُ"، هو ما يجعل لـ"الموت معنىً" وبالتالي لـ"الحياة معنىً". ولكن المشكلة أنّ هذا الإيمان قد يدفع "أشخاصاً" لموتٍ يرونه ذا معنى على حساب "حياة الآخرين"، بأن يجعل حياته وموته ممتلئتين بالمعاني بجعل حياة آخرين خالية من المعنى، وموتهم لصالح معنى موته هو وحسب.
قد يسهل -نوعاً ما- فهم تضحية الإنسان بحياته لحياة أخرى أمثل وأكمل، وقد يسهل أن نعظّم تضحية الإنسان بحياته لأجل حياة الآخرين، لكن ليس من السهل أن نفهم أونتفهّم مَن يُضحّي بحياة الآخرين من أجل حياته هو التي يُريد لها معنىً، أو موته هو الذي يُريد له معنىً أيضاً.
أليس من سبيل لجعل حياة أحدنا وموته غنيّتين بالمعنى بجعل حياة غيرنا والآخرين غنيّةً بقاءً ومعنىً أيضاً؟ هل من طريق نعبر بها إلى "الخلود" و"الحياة الآخرة الباقية" دون "اغتيال حياتنا الدنيا" و"حياة الآخرين"؟ ألا نجد السبيل إلى تخليص "الدنيا" من الانزياح الخطير الذي أصاب معناها من "القريبة" إلى "السفلى"؟ فـ"الدنيا" في وصف الحياة هي مقابل "الأخرى" أو "الآخرة"، أي هي ثنائيّة "الحياة القريبة والحياة البعيدة"، وليست مقابل "العليا" التي أوقعتنا في مأزق ثنائيّة "الحياة السفلى والحياة العليا".
الأسئلة التي طرحتها في مقالي هذا هي فرع عن سؤال:" ما معنى الحياة؟"، وهو سؤال فلسفيّ ودينيّ تختلف الاتجاهات ببيان هذا "المعنى". وبعد ذلك تختلف في أي المعاني أحقّ من غيرها وأولى بالصيانة والحماية، وهذه سيرة الإنسان والخبرة الإنسانيّة في أديانها وفلسفاتها واتجاهاتها، وتكمن مشكلة كلّ فئة في أنّها تحصر معنى الحياة فيما تراه هو معنىً لها، ممّا يسهّل أو يسوّغ "الاستهانة" بحياة الآخرين ومعنى الحياة عندهم. فهل من سبيل إلى جعل "حياة الآخرين" جزءاً أصيلاً من معنى حياة أنفسنا؟

التعليق