غزوة المناهج: لم ينجح أحد

تم نشره في الثلاثاء 4 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:00 مـساءً

بعد حوالي شهر من المناكفات على وسائل التواصل الإلكتروني، وخلال الاعتصامات في الشوارع، وحرق المناهج المعدلة، والاتهامات المتبادلة، وتصيد الأخطاء من الطرفين، يمكن القول وبكل ثقة إن جميع الأطراف التي شاركت في الصراع المشتعل حول تعديل الكتب المدرسية قد خسرت بالمقاييس كافة، بل وقدمت نموذجا بائسا لكيفية الحوار أمام من يفترض أن يكون الجميع حريصين على مستقبلهم، وهم الطلبة.
قد يعتقد البعض، محقا، أن طرفا ما قد انتصر في معركة الانطباعات وليس الحقائق. وبالفعل، تمكن المعسكر المعارض لتعديل الكتب المدرسية من نشر نظريته المزعومة أن هذه التعديلات هي لمحاربة الدين وتفكيك القيم الأخلاقية في أوساط كبيرة في المجتمع، وهو ما يمكن قياسه من خلال متابعة ما يسمى الحوارات على وسائل التواصل الإلكتروني والإعلام التقليدي، بل حتى المناقشات العائلية والاجتماعية المباشرة. للأسف، كانت الحقيقة هي الضحية الرئيسة لهذا الصراع.
الحملة المضادة للتعديلات استخدمت وسيلة قوية للتأثير، هي انتقاء بضع صفحات من الكتب الجديدة والتركيز عليها، وادعاء أن هذه التعديلات أدت إلى التخلي عن بعض النصوص الدينية، واستبدال رسمة امرأة محجبة في بيتها برسمة لامراة غير محجبة؛ كما تغيير أسماء بعض الشخصيات في الكتب، بل وحتى اعتبار أن اختيار نص لجبران خليل جبران في أحد مباحث اللغة العربية هو ترويج لنظرية الهيكل اليهودي المزعوم في القدس. وللأسف الشديد فإن هذه الحملة قد تخطت مرحلة التحريض الانتقائي في بعض الحالات، حتى وصلت مرحلة الكذب العلني -وهي أمر يرفضه الإسلام وكل الأديان- عن طريق وضع صور لكتاب منهجي إسرائيلي باللغة العربية يدعي أن القدس عاصمة الدولة الصهيونية، واعتبار ذلك نصا من وزارة التربية والتعليم الأردنية!
كان من المؤسف ايضا مشاهدة عدد كبير من المعلمين يقومون بحرق الكتب المدرسية علنا. بغض النظر عن الموقف من هذه الكتب، والتي ما تزال بالضرورة تحتوى على الكثير من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، فإن من المهم أن نتساءل عن القيمة التي يقدمها المعلمون إلى طلبتهم بهذا السلوك. فإذا كان المعلم المؤتمن على حرمة التعليم ومكوناته التي تتضمن الكتب المدرسية، لا يتوانى عن حرق هذه الكتب بسبب قناعات أيديولوجية معينة أو حتى انطباعات خاطئة، فمن يلوم الطلبة في حال قاموا بتمزيق كتبهم وحرقها، ليس فقط بعد الامتحان النهائي كما جرت العادة، بل أثناء العام الدراسي؟
الكتب المدرسية ليست منظومة دينية، بل هي مصدر للتعليم والمعرفة المحايدة التي يجب أن تكون موجهة للطلبة الأردنيين كافة، من مختلف الأديان والتوجهات الفكرية. ولا خلاف على أن مضمون الكتب المدرسية الرسمية بحاجة إلى إعادة صياغة وتعديل منهجي وشمولي، يركز على قيم التفكير الحر والناقد واكتساب المهارات والمعارف اللازمة للعمل والحياة في القرن الحادي والعشرين. كما لا يختلف اثنان على الحاجة إلى تعديل المناهج. لكن، هل يتم ذلك عبر تغييرات فردية ومستفزة للمشاعر الدينية وغير مرتبطة بحملة ترويج وتوضيح شاملة، كما حصل للأسف في الطريقة التي اتبعتها لجنة وزارة التربية، مع كل الاحترام لوجهة نظرها؛ أم إحداث تطوير شمولي للمناهج يتضمن المزيد من قيم التعددية الفكرية والسياسية والتسامح والتفكير العلمي النقدي الحديث والتركيز على الهوية الأردنية الوطنية بشكل أكثر جاذبية مما هو حاصل حاليا؟ لا شك أن الخيار المطلوب هو الخيار الثاني. وهناك لجنة ملكية تعكف منذ مدة على بلورة استراتيجية متكاملة لتطوير المناهج الدراسية، لكن فرص نجاح هذه اللجنة باتت مهددة الآن نتيجة طغيان ردود الفعل الانطباعية السلبية السائدة حاليا.
كما يحدث في المدارس المتعثرة التي تعاني من نقص الموارد والمعلمين، فإن النتيجة النهائية لهذه المعركة الطاحنة، لكن الوهمية، كانت في عدم نجاح أحد. لا لجنة وزارة التربية تمكنت من إحداث التغيير المطلوب، بل ربما تكون قد هددت نجاح أي محاولة لاحقة، ولا الحملة التي قادتها نقابة المعلمين وبعض التيارات السياسية والنشطاء عبر صفحات التواصل الاجتماعي ارتقت إلى الحد الأدنى المطلوب من احترام الحقيقة والمنطق والقيم التعليمية السليمة، وحتى القيم الدينية التي ادعت الدفاع عنها. الخاسر الأكبر في النهاية كان النظام التعليمي الذي كان الأردن يفاخر به جميع الدول العربية قبل سنوات، وما عاد الآن نموذجا جذابا لا لإخوتنا العرب ولا للأردنيين أنفسهم. كما يبدو المستقبل أكثر قتامة في سياق العقلية المغلقة التي تقاوم التحديث في المناهج التعليمية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • » (المهندس مصطفى ياسين)

    الأربعاء 5 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    بالمختصر بعيدا عن الوصايه والارتزاق التي مارسته بعض المدارس تجاوزا والاستثمار والعاملين عليها والمؤلفه قلوبهم.عليهم ان يقروا بأن هذه المناهج والقائمين عليها مثلت مرحله تم الاستثمار بها واسنغلالها وادت الى ما نحن به من استنزاف مادي ومعنوي اضعف شأنها وقوى حجه اعدائها وخدمهم والرجعيه التي تحالفت معهم وما زالت قد انتهت. وهناك مرحله جديده لها متطلباتها عليها ان تبدء ومنها تطوير وتحسين المناهج خدمه وحمايه للدين اولا والمجتمع ثانيا وانكم لن تستطعوا معها شيئا وفي حال اختلفتم ولم تسوا امركم فاخرجوا من مناهجكم محل خلافكم حتى تتفقوا ولا تذهب ريحكم...والسلام عليكم ان شئتم.
  • »منع خطف الدين يوجب زيادة مدخلاته بمناهج المدارس وبالإعلام وزيادة المساجد وخريجي الشريعة (تيسير خرما)

    الأربعاء 5 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    أسهل وأسرع من يجند بالإنترنت للإرهاب مسلم بالإسم يجهل أركان الإسلام وحلاله وحرامه ثم يتحول لقاتل جماعي يقول الله أكبر لا يعرف معناها، فواجب الحكومة منع خطف الدين من خوارج وروافض وبالتالي على الحكومة زيادة مدخلات الدين من آيات وصحيح السنة في مناهج كل مواد صفوف المدارس وبالإعلام وتوسيع وزيادة عدد المساجد حيث أنها تنوء بالمصلين يوم الجمعة لتكاثر السكان واللاجئين وعليها زيادة مقبولي كليات الشريعة وبمنح كاملة بمكرمة ملكية وزيادة رواتب أساتذة ووعاظ وأئمة وربط اعتماد كل جامعة بإنشاء كلية شريعة.