"أولاد أوادم" عند الصهاينة

تم نشره في السبت 8 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:03 صباحاً

لم تتوقف الصحافة ووسائل الإعلام الإسرائيلية، على مدى الأسبوع الماضي، عن نشر مقالات تهاجم أعضاء الكنيست من "القائمة المشتركة" الوحدوية، التي تمثل فلسطينيي 48 وأحزابهم الوطنية، لعدم مشاركتهم في جنازة شمعون بيريز. وحمل الهجوم في طياته خطابا استعلائيا صهيونيا فظّا، وكأن المشاركة في جنازة أحد واضعي سياسات التمييز العنصري وزارعي الاستيطان، هي واجب فلسطينيي 48، كي يثبتوا "ولاءهم" للصهيونية وكيانها. والطامّة الكبرى حين يشارك في هذا الهجوم "وكلاء عرب"، يطالبوننا بإظهار "حسن سلوك" للصهيونية، لتقبل بنا في وطننا، وتمنحنا بعضا من فتات حقوقنا المدنية.
لقد كان موقف الإجماع الطبيعي لنواب القائمة المشتركة الـ13، مجرد غطاء، ولنقل "فرصة" جديدة لوسائل الإعلام الإسرائيلية لتصعّد خطابها العنصري ضد فلسطينيي 48، تماشيا مع الخطاب الرسمي العام، الذي يقوده شخص بنيامين نتنياهو، في التحريض الدائم على الشعب الفلسطيني، وبشكل خاص فلسطينيي 48، الذين اعتبرهم في ماضٍ قريب، التهديد الأكبر على الكيان الإسرائيلي.
وكان من خلف هذا الخطاب العنصري، المطالبة الضمنية بأن ينصهر فلسطينيو 48 في المجتمع الإسرائيلي، وأن يُثبتوا على الدوام "حسن سلوك"، علّ وعسى يقتنع الصهاينة بأننا لا نشكل تهديدا على كيانهم وعلى وجودهم. وهذا كان قبل سبع سنوات شعارا انتخابيا للعنصري الشرس أفيغدور ليبرمان؛ من يشغل اليوم وزير الحرب، إذ كان شعاره "لا مواطنة من دون ولاء"، يقصد الولاء للكيان الإسرائيلي وللفكر الصهيوني.
للحقيقة، كانت صحيفة "هآرتس" خارج السرب في بعض مما نشر فيها، وبشكل خاص كلمة العدد، يوم الأربعاء الماضي، فيما صدرت مقالات أخرى تندد بالهجمة على نواب القائمة المشتركة والقيادات الفلسطينية، ولكن في الصحيفة ذاتها، كما في باقي الصحف والحوارات الإذاعية والتلفزيونية، ظهرت شخصيات إسرائيلية مما يسمى "اليسار الصهيوني"، التي انتقدت وهاجمت النواب، ومنها ما كان بلهجة "عتاب"، وكأن فلسطينيي 48 مدينون لشمعون بيريز، دَيْن الضحية لجلادها. وهذا بحد ذاته يُظهر هشاشة موقف "اليسار الصهيوني" في المواجهات، وفي الجدالات الساخنة.
من المؤسف أن بعض الناس الطيبين وقعوا في مطب الهجمة الإعلامية الصهيونية باللغتين العبرية والعربية. ولكن أمثال هؤلاء، واعتمادا على تجارب السنين، سيتراجعون عن هذا الموقف، بعد أن تتضح لهم الصورة أكثر. ولكن كما ذكر، فإن الطامة الكبرى، حينما يظهر "عرب وكلاء" للصهيونية ومؤسساتها الرسمية وغير الرسمية، ولجمعيات صهيونية، لينخرطوا هم أيضا في جوقات التحريض، ويوبخوا نواب "المشتركة"، ويعتبروا عدم المشاركة في جنازة بيريز، بأنه "يوحي بالتطرف الذي لا يساعد على إقناع الشارع الإسرائيلي بعدالة قضيتنا"، وفق تعبيرهم الذي يغلفونه بتعابير "وطنية"، ليظهروا وكأنهم حريصون على المصلحة العليا لفلسطينيي 48.
في أكثر من مقال سابق، كنت قد أشرت إلى محاولات الصهيونية والمؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، دس مشاريع جديدة، تهدف إلى تدجين فلسطينيي 48، وتذويب هويتهم الفلسطينية، من خلال إغراقهم بالانشغال في قضاياهم الحياتية اليومية، وسلخهم عن قضية شعبهم الأساسية: التحرر والدولة.
وأحد أشكال التدجين هو مطالبتنا بإثبات "حسن سلوك" دائم، أمام المؤسسة الحاكمة، والشارع الإسرائيلي "ليقبلنا"، وأنه من دون أن يقتنع الصهاينة بأننا لا نشكل تهديدا لهم، فإنه سيكون من الصعب الحصول على حقوقنا المدنية، التي يجب أن تكون أصلا مشتقة من حقيقة أننا أصحاب وطن، ولسنا رعايا عند الصهيونية وكيانها. إن خطاب "الوكلاء"، هو تورية لمطالبتنا باستجداء الصهيونية، والاستجداء هو المقدمة للخنوع، ومن هناك تكون الطريق قصيرة للتخلي عن الهوية والانتماء. ولكن مهما بدت الأوضاع قاتمة، فإن كل الدلائل تشير إلى أن هذه مشاريع تتساقط الواحد تلو الآخر، فقد حظي قرار نواب "المشتركة" بإجماع وطني والتفاف جماهيري.
إن كل هذه الضجة وما رافقها من إعلام صهيوني معاد، يجب أن يُنبّه البعض في الساحة الوطنية، ممن فكّروا أو ما يزالون يفكّرون في تقديم المعركة على الحقوق المدنية، على المعركة من أجل القضية القومية، إذ إن الموقف الوطني الثابت لفلسطينيي 48 منذ النكبة وحتى يومنا، يقضي بأن القضية الأساس هي القضية القومية، وفقط بحلها ستنتهي السياسات العنصرية. وفي كل المعركة على الحقوق المدنية التي هي ضرورة، يجب عدم إغفال القضية القومية الأساس.
على البعض عندنا أن يعيدوا حساباتهم.

التعليق