معرض ‘‘أوطان مهاجرة‘‘: الحياة ما بعد التهجير

تم نشره في الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:00 صباحاً
  • جانب من اللوحات المشاركة في معرض "أوطان مهاجرة" - (من المصدر)

سوسن مكحل

عمان- بلوحات نابضة ومشعّة بأمل التمسك بالأمكنة والذكريات والحنين إلى الأرض والوطن، افتتح في غاليري إطلالة اللويبدة (رابطة الفنانين التشكيليين) في جبل اللويبدة، المعرض الأول للفنان سامي الشولي تحت عنوان "أوطان مهاجرة" برعاية وزير الثقافة الأسبق جريس سماوي.
وتنوعت لوحات الشولي التعبيرية المنتمية إلى الواقع الإنساني حول قضايا التهجير التي ارتسمت فيها ملامح الوجوه خلف أروقة المعابد وزوايا البيوت وفوق مراكب السفن وأشرعة المغادرة، وهي دلالة على تمسك تلك الوجوه مهما غادرت بتلك الأمكنة بالذاكرة، وأحيانا بالبقاء حتى الموت الذي حوّل تلك الوجوه إلى صرخة وأحيانا موسيقى وأوقاتاً أخرى إلى صوت يضج من خلف الدماء في تلك اللوحات.
اتسمت لوحات الشولي بمعرضه الأول بوضوح الفكرة ورسالتها العميقة التي دفعت المشاهد لرؤية اللوحات بعمق أكبر وقصص مختلفة، خصوصا وأنها تضم خلف تلك البيوت الملونة أكثر من حكاية وقصة للتهجير بوجه بلا ملامح وأياد تتمسك ببيوتها ووجه لطفلة حزينة جرّاء التهحير القسري للإنسان.
يتحدث الشولي عبر أكثر من لوحة عن آلام المهجرين من خلال حكاية التغريبة الفلسطينية التي تكررت وانسحبت حتى اليوم على نكبات وويلات أخرى حاول تضمينها لتكون أكثر شمولية عبر لوحاته التي ما انفكت للحديث عما يحدث من كوارث إنسانية عمقت جراح الوطن العربي حتى استرسل الوجه إلى ظلال وعظام لأجساد غير واضحة من كثرة الترحال والتهجير في أغلبية لوحاته.
معرض "أوطان مهاجرة" عبارة عن لوحات تعبيرية وحكاية تأريخ للبعد الإنساني لكل من يهجّر عنوة وقسراً عن وطنه الأم، وهو ما يزال يخلّد ذاكرة البيوت ويحتضن شبابيك أحياء حيّه ومنازل جيرانه ورائحة بحره في الذاكرة.
لوحات تصوّر الواقع وتجمّل بقاء الذاكرة حية لمن هجروا وبقيت أرواحهم خلف وتحت تلك المنازل وبين زوايا الشوارع وأخرى لفظها البحر عبر السفن، وأخيرا لمن ظلّ جسده غارقا في المنافي بعيدا عن الوطن بعد أن تهجّر ويرحل يوميا عبر صور وفن وموسيقى عائدا بحنينه إلى وطنه الأم ومنبعه الأول.
لوحات أظهر في بعضها الشولي اختزالا لمعالم الوجوه ومنحها ظلالاً لا تخلو من الجمال الذي امتزج باللون ونطق بالأمل وزرقة السماء، وأحيانا تعبيرا عن الأمل والشرعية والأرض والمكان، وأحيانا أخرى ذهبت تلك الوجوه باللوحات للحديث عن الدمار والقتل والتشريد وبراءة الطفولة وردم تلك الأجساد أحيانا خلف وتحت تلك الأمكنة.
"جمالية متعددة بالشكل والمضمون" ما قدم بالمعرض، وفق ما قال وزير الثقافة الأسبق جريس سماوي في حديثه لـ"الغد"، مضيفا أن المعرض اجتهد وقدم مواضيع راهنة بجرأة عبر الشكل والموضوع من خلال رسم معالم التهجير والقلق والسفن والبيوت الحاضنة لمعاني التهجير التي يمر بها المواطن العربي حاليا.
واعتبر سماوي أن الشولي راوح على مستوى الشكل باستخدام السكين والفرشاة خلال أعماله التي طغت فيها ألوان "الاكريلك" وأبدع من خلالها بتبيان التناقض في اللون والحركة لخدمة فكرته وموضوعه.
وأشار سماوي إلى أنه وبالرغم من التقصير في دعم الحركة الشبابية بالفن والإبداع، إلا أن المواهب الفنية المتواجدة من الشباب لا تمنع من استشراح الفن والفعل وتخطي العقبات ليقولوا كلمتهم وهي ما يعمل به الشباب من خلال بوحهم بما يدور أمامهم وتوظيفه عبر الجمال والإبداع والفن، وهو ما يؤوخ لمستقبلهم أيضا.
مسؤولة الجاليري وعضو الرابطة الفنانة أسيل عزيزية، نوهت إلى أن لوحات الشولي تحمل قضية متجذرة في هوية الإنسان الفلسطيني والعربي، وتحكي عبر تنوعها أبعاد ما خلفته القضية من تهجير وتشريد للفسلطيني في كل بقاع الأرض.
وبينت عزيزية أن تلك اللوحات انسحبت للحديث عن كل مواطن وإنسان تجرّع الحالة ذاتها في أوطاننا العربية الجريحة كافة، مؤكدة أن بقعة الأمل عبر اللوحات تؤكد أن التمسك حق شرعيّ بالأرض والذاكرة والبيوت وهو ما يخفف لوعة التهجير.
الشولي تحدث لـ"الغد" حول معرضه الذي استوحاه من قضية عامة يمر بها الإنسان والمواطن العربي وهي "التهجير"، مؤكدا أن كل إنسان ترك أرضه ووطنه يستطيع قراءة اللوحات بكل معانيها، مضيفا أن تنويعه باستخدام طرق الرسم والألوان خلال رسوماته التعبيرية يعد هادفا ليستطيع أي مشاهد للوحة قراءتها كما يريد.
معرض "أوطان مهاجرة" للفنان الفلسطيني سامي الشولي يستمر حتى الأسبوع المقبل. يذكر أن الشولي من منطقة بيت لحم في فلسطين وخريج فنون جميلة من جامعة القدس، أقام معارض دولية عدة، وشارك بمعارض محلية على مستوى الأردن مع مجموعة من الفنانين.

التعليق