د.أحمد جميل عزم

رسالة ثائر حماد وعملية مصباح أبو صبيح

تم نشره في الاثنين 10 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:06 مـساءً

ترافقت عملية القدس التي قام بها، يوم الأحد الماضي، مصباح أبو صبيح (39 عاما)، ابن قرية سلوان، شرقي القدس، مع نشر رسالة ثائر حماد (35 عاما)، ابن قرية سلواد، شرقي رام الله، من معتقله في سجن ريمون الاسرائيلي. والمُشترَك في الموضوعين، هو مسألة اضطرار الفلسطينيين للعمل الفردي، في ظل غياب العمل الجمعي المنظم؛ ودليل غياب دور الفصائل، حتى لو كانت الفصائل موجودة فعلا، ولديها أعضاؤها وأجهزتها.
كان مشوار أبو صبيح طويلا للوصول لإطلاق النار على عدد من أفراد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، واستشهاده. وتضمن مشواره اعتقاله مدداً متفاوتة، مجموعها 39 شهرا، واعتقاله مرات عدة ليوم واحد. وقد أوقف الأسبوع الماضي خمس مرات، وجرى منعه من السفر، ومنعه من دخول المسجد الأقصى لعدة أشهر. وكان مطلوبا منه تسليم نفسه لقضاء حكم مدته أربعة أشهر، في ذات يوم الاعتقال. وكل هذا يرتبط، بالدرجة الأولى، بتصديه لاقتحامات المستوطنين للحرم الشريف في القدس. وكان لافتا أنّ حركة "حماس" أعلنت أن أبو صبيح من أعضائها، من دون تبني العملية ذاتها. وقد جاءت صياغة بيان الحركة مفصلة للإرهاصات الشخصية/ الوطنية التي أوصلته لقراره. وقالت الحركة: "إنّه اختار هو الطريق الأمثل له وللمجاهدين". وربما أرادت "حماس" الوضوح، أو القول بأنّ العملية كانت بتخطيط فردي.
في رسالته، تناول حمّاد أهمية العمل المنظم. وثائر هو منفذ عملية عيون الحرامية الأسطورية، العام 2002، والتي قتل فيها 10 إسرائيليين، مستخدما بندقية قديمة، في عملية تشير الدلائل إلى أنها كانت قرارا فرديا، وأنه خطط لها ونفذها وحيداً، ولم يكن حينها عضواً رسمياً في حركة "فتح" التي انتمى لها بعد أسره.
دعا حمّاد في رسالته "للانخراط في إطار عمل كفاحي منظّم يقود لإحداث التغيير، ولوضع آليات وخطط تنفيذية منهجية جديدة فيما يخصّ مسار القضية الفلسطينية، ولإعادة تقييم المراحل التي مرّت بها". وشدد على أن "الحركات الوطنية لا يمكنها أن تترك موضوعات الحرية والاستقلال محكومة لانفعالات مجموعة صغيرة من الشباب، ولا بدّ أن تبحث عن صيغة وطنية يلتف حولها الجميع لخلق غاية كفاحية مستقلة متواصلة". وكان حمّاد واضحاً في قوله "إن الشعب الفلسطيني يثبت يومياً أنه الحامي الحقيقي للمشروع الوطني، في ظل تلاشي دور الفصائل التي فقدت الكثير من مبادئها وغرقت في الحزبية على حساب الهمّ الوطني العام".
عندما نفذ حمّاد عمليته، ورغم أنّ الفصائل كانت منخرطة في العمل المسلح آنذاك، فإنّه لم يكن يتلقى تعليمات أو توجيهات تنظيمية من أحد. ويُعتقد أنّه استجاب لدعوة مروان البرغوثي العلنية يومها، باستهداف الحواجز العسكرية تحديداً، وفي إطار حراك شعبي يعتمد كثيراً على المبادرات الذاتية.
ومصباح الذي أعلنت "حماس" عضويته فيها، كان جزءاً من حراك مجتمعي مقدسي عابر للفصائل، ويضم المنتظمين وغير المنتظمين ضمن فصائل. وعمليا، تكاد تكون كل العمليات التي حدثت في القدس في السنوات الأخيرة، مبادرات فردية، من دون تنظيم. وفي كثير من الأحيان، يكون القرار وليد ردة فعل على حدث معين، من دون أن يلغي هذا أنّ من يبادر لعمليات المقاومة والرفض، يكون ضمن جهود مجتمعية للصمود والبقاء والمقاومة، كالشهيد بهاء عليان، الذي انتقل من شغفه بالقراءة والتشجيع عليها، إلى المقاومة العنيفة.
هذا الحراك يشير إلى أنّ هناك الكثير من الشبان والأشخاص تحركهم الأحداث. وبالتالي، فإنّ توقع الاحتلال أن تكبيل الفصائل وردعها يعنيان وقف المقاومة، هو رهان قد سقط. ولعلي هنا أتذكر أحد الأسرى المحررين، الذي ادّعى أمامي يوماً أنه تلقى توجيهات من ياسر عرفات بالعمل العسكري، أثناء انتفاضة الأقصى، وعندما سألته كيف؟ أجاب أنه اعتبر هتاف أبو عمار "عالقدس رايحين شهداء بالملايين"، بمثابة تعليمات. وبالتالي، فإنّ الواقع الموضوعي للاحتلال سيبقي جذوة المقاومة، بغض النظر عن المواقف السياسية.
إلا أنّ المعضلة الأساسية هي أنّ الحراك الفردي يبقى بوتيرة متصاعدة حيناً ومتراجعة حيناً آخر. ومن دون تصور واضح لاستراتيجية متكاملة، يصير من المتعذر ضمان استمرارية المقاومة، وتحديد مساراتها، ضمن عمل مخطط وواضح الأهداف. وهذا ما دفع ثائر حماد على ما يبدو إلى توجيه رسالته سالفة الذكر.

التعليق