أرقام الفقر تحفز العالم وتحرجه

تم نشره في الأربعاء 12 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:00 صباحاً

ترجمة: ينال أبو زينة

عمان-  ما هو الرقم الأكثر أهمية في الاقتصاد العالمي؟ بالاستناد إلى حجم التعليق الذي يثيره، ربما يكون تقرير الرواتب الشهرية الأميركي (الذي صدر في السابع من تشرين الأول (اكتوبر) الحالي) هو المؤهل للإجابة.
وتشمل الجهات المنافسة الأخرى أسعار النفط أو سعر صرف الدولار مقابل اليورو أو الين أو اليوان. وتعكس هذه الأرقام جميعها، وتؤثر أيضاً على وتيرة النشاط الاقتصادي، مع عواقب فورية لعائدات السندات وأسعار الأسهم والازدهار العالمي – الأمور التي يتعلق بها الاقتصاد في نهاية المطاف بالكامل.
ولكن، في حال كان الازدهار العالمي هو القلق الأبرز للاقتصاد، فإن البنك الدولي أفرج عن رقم أكبر في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر)؛ حيث أفاد الأخير أن 767 مليون نسمة يعيشون في فقر مدقع، ويكسبون ما دون الـ1,90 دولار في اليوم، باحتساب تعادل القوة الشرائية وأسعار العام 2011. ولا تغطي إحداثيات هذا الرقم الفترة الممتدة حتى هذه اللحظة بواقع الحال، نظراً لمواجهة صعوبة في جمع البيانات التي تعود بالفعل إلى ما قبل عامين على الأقل. كما ولم يحرك الإعلان أي أسواق أيضاً. ولكن الرقم في غاية الأهمية على أية حال، فهو يمثل أفضل محاولات قياس مكاسب الازدهار بين الأفراد الأشد حاجة إليها.
وينبغي أن تثير أحدث الأرقام مشاعر مختلطة لدى الناس. فهي سبب للاحتفال والشفقة والشك والعار في الوقت نفسه.
وفي هذا السياق، تستحق معدلات الفقر الابتهاج والهتاف في ضوء أنها أقل مما كانت عليه في السابق. فعلى مدى الـ20 سنة (الممتدة من العام 1993 إلى العام 2013) انخفضت أعداد الفقراء بما يزيد على المليار نسمة، من نحو واحد من كل ثلاثة إلى واحد من بين كل عشرة. ولم توقف أو تقاطع حتى الأزمة الاقتصادية العالمية هذا التقدم.
وحدثت أكبر الانخفاضات، بشكل غير مثير للدهشة، في أكبر دولتين في العالم. ففي الهند، انخفضت أعداد الفقراء بمقدار 218 مليون من العام 2004 حتى العام 2013، وفقا للبنك الدولي. وانخفضت في الصين، من جهة أخرى، إلى أكثر من 320 مليون نسمة ما بين العامين 2002 و2012.
وغالباً ما تؤخذ الإنجازات البشرية الكبرى على هذا الصعيد، على أنها أمور مسلم بها، في ضوء أن حكومتي الدولتين المذكورتين (بقيادة هو جين تاو وون جيا باو في الصين، وسونيا غاندي ومانموهان سينغ في الهند) كانت توصف خلال تلك الفترات بأنها مخيبة للآمال، وذلك على الرغم من أن نصف مليار نسمة خرجت من بوتقة الفقر خلال فترة توليها السلطة. آه لو كانت بقية حكومات العالم يمكنها أن تخيب الظن بطريقة مماثلة!
ومع ذلك، كان تقرير البنك الدولي مدعاة للشفقة إلى جانب كونه سبباً للاحتفاء. فبعد كل شيء، ما تزال الـ767 مليون نسمة أعداداً كبيراً، بينما ليس الدولار والتسعون سنتاً (1,90) في اليوم مبلغاً محترماً وكبيراً.
ومن الصعب تصور كيف يمكن أن يتعايش أي شخص مع مبلغ لا يكاد يذكر كهذا؟!. وبطبيعة الحال، يعتمد معيار البنك الدولي لاحتساب معدلات الفقر على خطوط الفقر في 15 دولة يأكلها هذا الداء. وتحتسب خطوط البنك عادة المبلغ المالي الذي يسمح للشخص بتناول ما يكفي من السعرات الحرارية، آخذةً في الاعتبار النظام الغذائي الوطني وغيره من الأمور التي تثقل كاهل ميزانية الفرد الشخصية.
 ففي زامبيا، على سبيل المثال، يستطيع شخص يعيش على خط الفقر أن يتبع نظاماً غذائياً من طبقين إلى ثلاثة من النشيما (المعروف باسم وجبة الميلي من الذرة) وبطاطا الحلوة، وبضعة ملاعق من الزيت وبضع أخرى من السكر، فضلاً عن حفنة من الفول السوداني مرتين في الأسبوع، إلى جانب الموز أو المانجو ومقدار صغير من اللحم. وفي ضوء ذلك، سيتبقى للمرء 28 % فقط من ميزانيته ليصرفها على أمور أخرى.
وبالإضافة إلى عنصر الشفقة، تستدعي حصيلة البنك الدولي لمعدلات الفقر بعض الشكوك أيضاً، نظراً إلى أن إحصاء أعداد الفقراء عمل شاق وغدار بطبعه، كما يعترف البنك بحرية.
وفي الحقيقة، أجرت ما دون الأربعين دولة فعلياً دراسة استقصائية جديدة شملت الأسر في العام 2013، ما ترك البنك يسد الثغرات غير المشمولة بالتوقعات. وكانت الهند أجرت آخر استطلاعاتها في العام 2012 على سبيل المثال، فيما تعود الدراسة الاستقصائية الشاملة للأرياف والحضر في الصين إلى العام 2013 هي الأخرى.
وحتى أصغر التعديلات غير الضارة في أسئلة دراسات من هذا القبيل، فهي يمكن أن تصنع فرقاً كبيراً. فقد قادت تجربة أجريت في السلفادور، استشهد بها باحثو البنك الدولي، من خفض معدلات الفقر المُقاس بنسبة تجاوزت الـ30 %، وذلك ببساطة من خلال طرحها أسئلة أكثر تحديداً. وبدلاً من السؤال عن حجم الإنفاق على الفاكهة والخضراوات والبقوليات، خصت الأسئلة المحاصيل الرئيسية مثل الموز والمانجا والفلفل الأخضر، وهلم جر. وبسبب خطأ في الطباعة، فشل استقصاء أجري في أوغندا في ذكر رسوم النقل العام كمثال على نفقات السفر. ويبدو أن الخطأ تسبب بخفض الإنفاق على النقل المبلغ عنه بحوالي 70% أيضاً.
واحد في الألف لنسبة العشرة
أفضى إحصاء الفقر العالمي أيضا إلى تشكل مشاعر الحرج. فبينما يزدهر الاقتصاد العالمي ويتطور أكثر من أي وقت مضى، تبدو مشكلة الفقر المدقع أقل حتمية ومأساوية لتميل أكثر إلى كونها مفارقة تاريخية غريبة. ويعيش الشخص العادي، الذي يعاني فقراً مدقعاً، بمبلغ 1,33 دولار في اليوم الواحد. لذلك، سوف يتطلب الأمر 57 سنتاً فقط في اليوم لإنقاذهم من محنتهم هذه. ولكن هذه النتيجة تستدعي تجربة فكرية.
في حال كان من الممكن نوعاً ما أن يتم تحويل المبلغ المناسب من المال إلى أيديهم دون أية تكاليف، كم سيتسغرق أمر القضاء على الفقر المدقع بشكل عام من الوقت؟
الإجابة هي مجرد 159 مليار دولار في العام، وفقاً للبنك الدولي، أو ما يقل عن 0,2 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
ويتم احتساب هذه التقدير في تعادل القوة الشرائية. فإذا تم تحويل دولار فعلي من أميركا إلى دولة فقيرة، سوف يمتد في القيمة إلى بعد كبير في ضوء أن أسعار الدول الفقيرة تميل إلى كونها أقل (وهي نقطة خرج بها الخبير الاقتصادي الهندي الذي يعمل الآن في مجموعة "أوبزيرفاتوري" الاستشارية في الاقتصاد الكلي، سورجيت بهالا، قبل سنوات).
ولدى أخذ هذه الأسعار المنخفضة بالاعتبار، ينخفض المبلغ اللازم لرفع جميع فقراء العالم من الفقر المدقع إلى خط الفقر أو ما فوقه بقليل إلى 78 مليار في العام الواحد، أو ما يعادل 0,1 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي فقط.
وفي واقع الأمر طبعاً، لا يمكن توجيه المال بدقة متناهية إلى الفقراء، في حين يصعب إيجاد وسيلة تحويل أموال خالية من التكاليف أيضاً. وفي بعض الدول، يمكن لضخ الأموال أن يؤدي إلى رفع الأسعار والعملات أيضاً، مما يجعل هذا المسعى أكثر تكلفة. ومع ذلك، تقلص هذه الفكرة النيرة حجم المشكلة، بحيث يستطيع العالم تحمل تكلفة القضاء على الفقر. وفي الواقع، يمكن أن تساهم هذه الفكرة في إنهاء الفقر حتى قبل قياس كيفية ذلك بدقة.
وفي حال تحقق حلم البنك الدولي بعالم خال من الفقر يوماً ما، هل سيتمكن البنك من الاسترخاء متغنياً بأمجاده؟ لا، ليس هناك فرصة لحدوث ذلك، فقد تبنى حلماً آخراً: "الازدهار المشترك"، الذي يلزمه بالاهتمام بنسبة الـ40 % الأفقر في كل دولة، مهما كانوا أغنياء. وحتى لو تم القضاء على الفقر المدقع في نهاية المطاف، سوف يتطلب الأمر مراقبة نسبة الـ40 % الأفقر في كل وقت.

* "الإيكونوميست"

التعليق