خنق وهدم في القدس

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:07 مـساءً

انتهى في الأيام الأخيرة موسم الأعياد اليهودية الذي استمر ثلاثة أسابيع. وقد مرّ هذا الموسم بهدوء في مدينة القدس، رغم تقارير عسكرية واستخباراتية إسرائيلية عديدة تحدثت في الأسابيع التي سبقت، عن أن "الموسم" قد يؤدي إلى انفجار في المدينة، ينطلق من الحرم القدسي الشريف، بناء على ما وقع في العامين السابقين. في المقابل، شهدنا في الأيام الأخيرة تصعيدا مخططا لتدمير بيوت الفلسطينيين في القدس التي تشهد حالة اختناق وتفجرا سكانيا في الأحياء الفلسطينية المحاصرة بالمستوطنات.
دروس المقاومة الشعبية الفلسطينية، مثل حال الشعوب الأخرى، تؤكد أن الحراك الجماهيري يندلع وفق ظروف وأوقات لا يمكن لأي جهة أن تحددها مسبقا، لأنها نتاج تراكمات من الأحداث والعوامل، إلى جانب العامل الأساس الثابت: الاحتلال والقمع والاستبداد. لكن في هذه الحالة العينية بالقدس، فإن الاحتلال يكشف أكثر عن وجهه الاجرامي. ففي العامين الماضيين، فرض الاحتلال قيودا استبدادية على جمهور المصلين في الحرم القدسي في ساعات اقتحام عصابات المستوطنين، وهذا ما لم يكن في موسم الأعياد هذا العام، رغم قيود محدودة نسبيا، وإبعاد أعداد ملحوظة من المصلين عن الحرم لفترات زمنية متفاوتة. وهذا لا يعني قبول المصلين بجريمة الاقتحامات التي سجلت ذروة في الأيام الأخيرة، إلا أن تلك القيود زادت من الاحتقان في العامين السابقين.
وكما يتأكد، فإن إسرائيل معنية بانفجار في القدس المحتلة، يقود إلى انفجار شامل في الضفة وقطاع غزة المحتلين. وبالإمكان القول إن هذا بهدف إبعاد أي ضغوط وحراك دوليين قد ينشآ، من أجل استئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، رغم استحالة التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية الحالية بالذات.
فبعد أن مرّت فترة الأعياد اليهودية، من دون أن تتحقق التقديرات الإسرائيلية، شرعت سلطات الاحتلال في الأيام الأخيرة بتصعيد تدمير بيوت الفلسطينيين في القدس المحتلة، تحت ذريعة ما يسمى "البناء غير المرخص" من قبل الاحتلال. علما أن هذه البيوت تقام على أراضي أصحابها. وقضية الترخيص هي واحدة من أساليب خنق الفلسطينيين في مدينتهم.
فمن جهة، الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية للأهالي المقدسيين، والناجمة عن سياسة الخنق والحصار الاقتصادي والاجتماعي، تجعلهم غير قادرين على تسديد فاتورة الترخيص التي تفرضها بلدية الاحتلال بمقاييس أعلى مستويات المعيشة؛ إذ إن كلفة الترخيص للبيت الواحد تتراوح ما بين 45 ألف دولار و55 ألف دولار. وهذا عبء مالي، قلائل جدا في المدينة قادرون على تحمله، بعد الأخذ بعين الاعتبار تكلفة بناء البيت حتى السكن فيه.
من جهة أخرى، فإن بلدية الاحتلال ترفض إصدار تراخيص بناء لمن يستطيع التسديد ويطلبونها. وفي كل عام، تصادق بلدية الاحتلال على بضعة رخص بناء، قد لا تصل إلى حد 20 رخصة بناء سنويا، لمدينة يسكنها 310 آلاف فلسطيني. يضاف إلى كل هذا أن الاحتلال يسيطر على الأراضي المفتوحة كافة في القدس الشرقية، لبناء أحياء استيطانية عليها، بما فيها أراضي لاجئين فلسطينيين. وحينما نقول لاجئين، فإن نسبة عالية منهم قد يكونون ساكنين عند مشارف القدس، في المدن المحيطة، ليكون في حسابات الاحتلال ضمن عداد اللاجئين، وتصادر أملاكهم.
كذلك، فإن تقطيع المدينة بجدار الاحتلال بطول يقارب 50 كليومترا، دفع آلاف العائلات للانتقال من خلف الجدار إلى الأحياء التي ما تزال على اتصال مباشر مع مركز المدينة، والبلدة القديمة، ما رفع أسعار البيوت إلى مستويات خيالية، قياسا بمعدلات دخل العائلات الفلسطينية في القدس المنكوبة.
كل هذه سياسات إسرائيلية تمت بلورتها بدقة لغرض واحد ووحيد، هو خنق أهالي القدس، لتفرض عليهم مغادرة المدينة إما إلى خلف جدار الاحتلال، أو إلى مدن الضفة الأخرى، خاصة أن كل هذه السياسات ترافق سياسة الحصار الاقتصادي المفروضة على المدينة، بعد أن تم فصلها كليا عن سائر أنحاء الضفة. فالقدس التي كانت مركزا تجاريا للمنطقة الأوسع، باتت شوارع تجارية مركزية في المدينة تغلق المحال فيها أبوابها بعيد مغيب الشمس بقليل، نظرا لضعف الحركة التجارية فيها.

التعليق