تحقيق "الغد" حول الطفلة نور يسهم الحاجة لتوفير مراكز علاج مجانية

تم نشره في الأربعاء 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 07:02 مـساءً
  • طالبات وطلاب مدرسة ابتدائية أثناء اصطفافهم بالطابور الصباحي في إحدى مدارس عمان -(تصوير: ساهر قدارة)

رانيا الصرايرة

عمان- بعد انقطاع دام عامين عن المدرسة، عادت الطفلة نور (9 أعوام) إلى مقاعد مدرستها الحكومية، بعد تحسن حالتها الصحية، حيث كانت تعاني من مشاكل دراسية ونمائية، فاقمها سوء تشخيص حالتها في البداية.
إلا أن مساعدة مالية شهرية متواضعة من فاعل خير، واستفادتها من خدمات الشبكة الأردنية للدعم النفسي في منظمة أرض العون القانوني، أعادتا نور أخيرا إلى المدرسة.
وأبدت عائلة الطفلة سعادتها برجوع ابنتهم إلى مقاعد الدراسة، رغم أنها تدرس حاليا في الصف الثاني الابتدائي، في حين كان من المفترض أن تكون في صفوف أعلى، لكن أمّ نور تؤكد أن التطور الذي حصل على شخصية وأداء ابنتها، ساهم بعودتها للمدرسة، بعد خضوعها لجلسات علاج مكثفة.
وبدأت قصة نور، التي نشرتها "الغد" مؤخرا، قبل ثلاثة أعوام، عندما اضطرت أمها لإخراجها من مدرستها الحكومية وإلحاقها بمركز لذوي الإعاقة، لكن حالة الطالبة تفاقمت واضطرت إلى ترك المركز، بعد ثبوت أن حالتها لا تتطلب وجودها في المركز، وليتبين فيما بعد أن المشكلة ليست في ابنتها، بل في "خطأ بتقييم حالتها".
وتقول الأم "في المرة الأولى، عندما دخلت ابنتي إلى المدرسة، ما كاد يمر أسبوعان على بدء الدوام حتى استدعيت إلى إدارة المدرسة للشكوى من عدوانية ابنتي وزيادة حركتها وعدم انتباهها لما تقوله مدرستها، وكانت المعلمة منزعجة جدا من نور، وكنت أحاول تهدئتها في كل مرة".
وتضيف "لكن قبل نهاية الفصل الأول استدعوني وقالوا لي إن نور دفعت إحدى الطالبات على الدرج وكادت تؤذيها بشدة، ونصحوني بإدخالها إلى مركز احتياجات خاصة، لأنه المكان المناسب لها".
ونتيجة العوز المادي للعائلة، لم تستطع الأم عرض ابنتها على أخصائي تشخيص قبل إرسالها إلى المركز، أما في المركز، فتم أيضا إدخالها دون إجراء الفحوصات اللازمة، ومع الوقت تبين للأم أن حالة ابنتها بدأت تسوء أكثر فأكثر، بسبب اختلاط نور بأطفال من ذوي الحالات الصعبة.
ومع الوقت، اضطرت أم نور التي تسكن في أحد مخيمات العاصمة، إلى إخراج ابنتها وإبقائها في البيت، مفضلة البحث عن طريقة أخرى للتعامل مع حالتها، وبعد إخراجها راجعت أحد مراكز وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في سبيل الحصول على نصيحة تساعدها لإيجاد حل لمشكلة ابنتها.
بدورها، حولت الوكالة نور إلى وحدة الدعم النفسي بمنظمة العون القانوني، وهي المنظمة الوحيدة من المنظمات التي تقدم خدمة المساعدة القانونية لمحتاجيها، وهناك تم تشخيص الحالة بأن نور "تعاني من فرط الحركة وتشتت الانتباه، ويمكن أن تتحسن في حال خضعت إلى جلسات علاج".
ومن حسن حظ نور أن وحدة الدعم النفسي في المنظمة كانت أطلقت وقتها، بالتعاون مع عدد من أخصائيي الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، الشبكة الأردنية للدعم النفسي، التي تعنى بتقديم خدماتها لمحتاجيها من الأردنيين بشكل تطوعي مجاني.
وطوال التسعة أشهر الماضية، تلقت نور المعالجة في مركز ميرال لمعالجة الاضطرابات السلوكية والتوحد، التي يشرف على علاجها عضو الشبكة الأردنية للدعم النفسي، مدير المركز أخصائي تعديل السلوك الدكتور نبيل حميدان.
وقال حميدان لـ"الغد"، إن نور "تعرضت لتشخيصات خاطئة حرمتها من مواصلة تعليمها في المدرسة، وفاقم من حالتها النفسية إرسالها إلى مركز لذوي الاحتياجات الخاصة وهي غير محتاجة له، وهو ما أدى لظهور سلوك عدواني لديها".
وتابع "مكان نور الطبيعي هو المدرسة، وليس مركز ذوي الإعاقة، نظرا لأن حالتها لا تستدعي ذلك، ولهذا تم إعادتها الى المدرسة، هي تحتاج إلى معاودة إدماجها داخل البيئة التعليمية، ومع الوقت وتفهم إدارة المدرسة ومعلماتها ستتمكن في النهاية من مجاراة زميلاتها".
وتظهر حالة نور مدى الحاجة إلى وجود كادر طبي ونفسي مؤهل في الأماكن التي تقوم بعملية تقييم وتشخيص الأطفال الذين يواجهون مشكلات دراسية ونمائية،  فهناك حالات "سلوكية قد تبدو مرضية ولكن يمكن علاجها منذ الصغر في حال تم اكتشافها وتشخيصها" بحسب حميدان.
من جهة أخرى، تظهر حالة نور أهمية التكاتف المجتمعي والعمل الخيري، فعند بدء مشوار نور العلاجي الذي لم ينته حتى هذه اللحظة، حيث تحتاج لإكمال جلساتها، واجهت الأم، مشكلة عدم توفر أجور المواصلات التي تحتاجها لإيصال ابنتها إلى مركز العلاج، ليقرر متبرع، بعد قراءته قصة نور في "الغد"، تأمين مبلغ شهري للعائلة للقيام بهذه المهمة، وهو ما حصل.
المتبرع، الذي طلب عدم نشر اسمه، قال لـ"الغد": "أنا سعيد جدا بخبر رجوع نور لمدرستها، تأثرت جدا بقصتها وأنا مقتنع أنه يجب أن لا يحرم أي طفل من التعليم، والمبلغ الذي أدفعه شهريا لعائلتها متواضع، ومع ذلك حقق فرقا في حياة هذه العائلة".
من جهتها، تشعر الأم، أن كل الظروف توفرت لتحسين وضع ابنتها، ولم تنس الجهود التي تبذلها حاليا مديرة مدرستها ومعلمتها لإعادة إدماجها في الصف، رغم أن ذلك "ليس بالعمل السهل".
أما حميدان فأكد أن خدمة العلاج النفسي مكلفة جدا، ولا يستطيع الجميع تحملها، وتحتاج الى وقت طويل، وهذا يجعل بعض الأهالي ينقطعون عن الجلسات حتى لو كانت مجانية، نظرا لعدم قدرتهم على تحمل نفقة المواصلات.
مديرة وحدة الدعم النفسي في منظمة أرض العون القانوني الدكتورة لينا دراس، بينت أن الشبكة، التي بدأت نشاطها في شهر أيار (مايو) 2015، استطاعت تأمين علاج لعدة حالات، وبمعدل حالة واحدة شهريا لكل عضو من أعضاء الشبكة البالغ عددهم حوالي 23 أخصائيا.
وجاء إطلاق الشبكة، بحسب دراس، بعد أن "لمست المنظمة ممثلة بوحدة الدعم النفسي لديها، ومن خلال تعاملها مع المراجعين، زيادة الحاجة لخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي خاصة بين الأردنيين".
وأشارت إلى أن اللجنة الدائمة المشتركة بين وكالات الأمم المتحدة، "تتبنى طرقا عديدة لسد احتياجات اللاجئين في هذا المجال، في حين أن الأردنيين لا تتوفر لهم هذه الخدمة".
وأضافت "خلال عمل الشبكة في الشهور السبعة الماضية، تأكدنا من أهمية وجود هذه الشبكة، في ظل محدودية تقديم خدمة الدعم النفسي في القطاع العام، وارتفاع كلفتها في القطاع الخاص، ما يحرم فئة المعوزين ماليا من هذه الخدمة".
وأكدت أن الشبكة تتعامل مع حالات من كل الأعمار، على شكل استشارات فردية أو أسرية أو زوجية، ويقدم أعضاؤها خدماتهم بمحافظات عمان والزرقاء وإربد.

التعليق