"دونالد" الغامض

تم نشره في الجمعة 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:05 صباحاً

على الرغم من أن الانطباع السائد عن الرئيس الأميركي المنتخب حديثا بأنه صاحب مواقف واضحة تجاه العديد من القضايا، إلا أن المتتبع لتصريحات الرجل أثناء حملته الانتخابية وفي خطاب الفوز أمام مؤيديه يقع في حيرة من أمره حول حقيقة سياسات "ترامب" وخاصة تلك المتعلقة بالسياسة الخارجية، ما يضع الجميع دون استثناء في حالة انتظار وترقب لما ستكون عليه شكل السياسة الخارجية الأميركية في السنوات الأربع القادمة.
ففيما يتعلق بمنطقتنا فقد أكد "ترامب" بأنه سيتخذ موقفا حاسما من تنظيم "داعش" وذلك من خلال التدخل العسكري المباشر وحشد ما بين عشرين إلى ثلاثين الف جندي أمريكي على الأرض للاشتباك مع التنظيم بشكل مباشر والقضاء عليه سريعا سواء في العراق او سورية، وهو التصريح الذي رحب به موفق الربيعي رئيس الأمن القومي العراقي السابق وعضو مجلس النواب العراقي حاليا، بل وزاد الربيعي أن العراق مرتاح لوصول "ترامب" إلى البيت الأبيض وخاصة أن الحكومة العراقية تتوقع منه تفعيل الاتفاقية الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة والتي وضعها "أوباما" على الرف لمدة ثماني سنوات وفقا للربيعي.
واذا كان موقف ترامب مرحبا به عراقيا فإن الحال مختلف في سورية، حيث لن يرحب النظام السوري على الاطلاق بوجود قوات أميركية على الأراضي السورية، وبالتأكيد فإن موقف موسكو سيكون مؤيدا لدمشق، ما يعني احتمالية وقوع صدام بين روسيا والولايات المتحدة إذا ما قرر ترامب المضي قدما في نشر الجنود الأميركيين على الأرض السورية، وهو ما يتناقض تماما مع الانطباع السائد عن نوع العلاقة المتوقعة بين واشنطن وموسكو في عهد ترامب والتي يصفها البعض بأنها ستكون علاقة دافئة وإيجابية.
تناقض آخر في ملف العلاقات الروسية الأميركية يبرز عند الحديث عن موقف ترامب من ايران، أحد أهم حلفاء روسيا في المنطقة، حيث يرفض الرئيس الأميركي المنتخب الاتفاق النووي الإيراني جملة وتفصيلا ويرى أن هذا الاتفاق كان بمثابة مكافأة لإيران التي وصفها ترامب بأنها كانت وستظل مشكلة يجب التعامل معها.
بل يزداد التناقض في موضوع علاقات الولايات المتحدة بروسيا عندما نعلم أن اتصالات جرت بين فريق ترامب بعد فوزه مع رؤساء الدول الحدودية مع روسيا ومنها أوكرانيا لطمأنتهم بأن التزام واشنطن تجاه أمنهم وحمايتهم لن يتغير، وعليه فإن مجمل مواقف دونالد ترامب من القضايا المرتبطة بروسيا لا يمكن أن تؤدي إلى علاقات أفضل مع موسكو كما هو الانطباع السائد.
فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فإن ترامب كأي مرشح رئاسي اميركي قد أبدى تأييده غير المشروط لإسرائيل، بل إن ترامب زاد على ذلك من خلال تصريح مستشاريه بأنه مستعد لنقل السفارة الأميركية من تل ابيب الى القدس، وتصريحه بأن حل الدولتين ليس هو الحل الوحيد، وفي حال حول ترامب هذه المواقف الى واقع فإنه بالتأكيد سيفتح أبواب جهنم في المنطقة وسيضع الولايات المتحدة مباشرة في مواجهة الدول العربية ويزيد من تأزيم الملف المتأزم أصلا.
كل التصريحات التي أدلى بها ترامب خلال حملته الانتخابية تتعارض مباشرة مع ما قاله في خطاب الفوز عندما أكد أنه يسعى إلى علاقات متوازنة مع الجميع، وعادة فإن التصريحات بعد الفوز هي التي يؤخذ بها بشكل أكثر جدية.
في المحصلة نحن أمام رئيس أميركي ليس له ماض سياسي واضح، وبالتالي فالعالم أجمع ينتظر ما سيقوم به ساكن البيت الأبيض الجديد، فالجميع بانتظار ما سيفعله دونالد الغامض.

التعليق