منسف هامبرغر

تم نشره في السبت 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:06 صباحاً

هل حقا هذه هي الديمقراطية النموذجية؟ انتشرت في شبكات التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية، وحتى يوم الانتخابات الأميركية، الكثير الكثير من التعليقات والتعقيبات، في خلفيتها إبداء الإعجاب
بـ "الديمقراطية الأميركية"، بعد مقارنتها بالعمليات الانتخابية في الشرق الأوسط. ولكن مرّة أخرى، تُسأل الأسئلة: هل حقا النموذج الأميركي هو المثالي للنظام الديمقراطي؟ وهل هو خال من المال السياسي؟ أم أنه كله مال سياسي؟ وهل هو خال من الرشاوى "المالية" و"الولائمية"؟ فهذه التعقيبات هدأت، وحتى انقلبت على حالها مع ظهور النتائج، بفعل عامل المفاجأة، إلا أنها جديرة بالتوقف عندها.
السؤال الأول الذي يجب أن يوجه للحلبة الأميركية: كيف يمكن لاتحاد 50 دولة، بعدد سكاني حوالي 325 مليون نسمة، مع كل هذا التنوع من الثقافات، أن يرتكز فقط على حزبين؟ إن دلّ هذا على شيء، فإنه يدل على قيود كبيرة يفرضها واقع الحال على فرص وواقع العمل السياسي. وأكبرها، جانب المال. فلا يوجد أي مرشح لأي منصب رسمي أو تشريعي أو رئاسي في الولايات المتحدة، يستطيع أن يتقدم خطوة واحدة، دون ضمانات مالية ضخمة.
فحسب تقارير مختلفة، بلغ حجم ميزانية حملة الانتخابات لهيلاري كلينتون مليار دولار، والفائز ترامب أكثر من 850 مليون دولار، ومن المؤكد أن الحجم الحقيقي لكل واحدة من هاتين الميزانيتين يبقى أبعد مما هو مسجل وخاضع للرقابة الرسمية. فهناك الصرف المباشر غير المُسجل، وهناك الصرف غير الملموس، مثل تجنّد وسائل إعلام ضخمة لهذا المرشح أو ذاك، فهذه تعد خدمة إعلامية وإعلانية؛ لو لم تكن، لاضطر المرشح لصرف أموال أضخم، من أجل تجنيد أكبر نسبة من الرأي العام لصالحه.
وأمام حقائق كهذه، يجب أن نسأل: من الذي يدفع ويموّل، ولماذا؟ فهل صرف هذه الأموال الضخمة، هو لغرض "الأعمال الخيرية"؟. لا يوجد مال يُدفع مجانا، إلا ومن ورائه غرض، فهذا من ناحية حيتان المال استثمار لتحقيق المصالح المحلية، ولكن أساسا تلك العابرة للقارات. وهذا يُعد فسادا ضخما على المستوى العالمي، نظرا لانعكاساته المحتملة على السياسات الأميركية الخارجية.
ومن يعتقد أن سير العملية الانتخابية وراء المحيط خالية كليا من الخلل والتزوير، فعليه أن يبحث بدقة، في تقارير وبيانات طاقم ترامب قبل وخلال يوم الانتخابات، التي تذمّرت من بعضها، وهي قد لا تكون حسمت النتيجة في بعض الأماكن، ولكنها موجودة.
من أكثر التعقيبات انتشارا، من باب التنّدر والمزاح، كانت تخيّل المرشحين الأميركان يقيمون الولائم، فالولائم إن وجدت في مجتمعنا بتسمية مناسف، فهي موجودة أيضا في بلاد الهامبرغر، وكلها تهدف إلى ذات النتيجة. الشعوب "الفقيرة" تنظر إلى حالها، وهذا طبيعي، ولكن تبهرها الأضواء وضجيج ماكنة صناعة الرأي العام العالمية، بينما في واقع الحال، فإن الفساد الانتخابي هو ظاهرة عالمية بتفاوت من حيث الحجم، وأيضا من حيث التعريفات والمصطلحات.
أحد أكبر مشاهد الفساد في العملية الانتخابية، نلمسها في مختلف الانتخابات الإسرائيلية. وتصف إسرائيل ذاتها بأنها "واحة الديمقراطية الشرق أوسطية"، وهذه بدعة صهيونية تافهة ينسفها واقع الحال، إذ لا تمر انتخابات واحدة، إلا وتكدّست فيها ملفات التحقيق بشبهات الفساد، ومصير كل واحد من هذه الملفات، منوط بجهات عليا، تقرر من يتم إعفاؤه، ومن يُساق إلى "مذبح النزاهة" الانتقائية. فمصطلح "مقاولي الأصوات" ينتشر بكثرة في الشارع اليهودي، وأيضا في شارعنا، فلسطينيي 48. والمال الأسود يوزع دون حساب، لشراء عشرات الآلاف وحتى مئات آلاف الأصوات. أما تزوير الصناديق فحدث ولا حرج، فكم مرّة تبين أن "الأموات" قد أدلوا بأصواتهم.
إن فوز ترامب، بوق التحريض العنصري في مختلف الاتجاهات، هو أكبر خلل مقلق في واقع العالم اليوم، وبشكل خاص في واقع الولايات المتحدة الأميركية. فصحيح كما يرى الكثير من المحللين والخبراء، أن ترامب في نهاية المطاف سيجلس في الغرفة البيضاوية في البيت الأبيض، ليتلقى التعليمات كسابقيه، ليكون نهجه الاستراتيجي بما يتطابق مع مصالح الولايات المتحدة العليا، بشكل لا يبعده كثيرا عن أداء سابقيه من الحزبين، إلا أن مجرد قبول هذا الكم الهائل من الأميركان، ولا أقول الغالبية، لهذه المواقف وهذا الخطاب العنصري الشرس، فإنه مصدر قلق عالمي، سيشجع شعوبا أكثر على قبولها.
مستقبل العالم ليس بخير.

التعليق