(3-1)

استعدادا لمواجهة ‘‘غزوة‘‘ المناهج: غياب الفكر الناقد يُسهّل التحشيد

تم نشره في الأحد 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • الدكتور ذوقان عبيدات-(أرشيفية)

الدكتور ذوقان عبيدات

استعد كثير من الافراد والجهات للقيام بغزوة، أو بالموجة الثانية من غزوة المناهج، بعد أن نجحت الموجة الأولى في تضليل معظم الناس، بمن فيهم العمالة الوافدة، في أن الكتب المدرسية تعرضت لحذف ممنهج للآيات الكريمة والاحاديث الشريفة والقيم الإسلامية.
وعلى الرغم من التوضيحات والأدلة، وعلى الرغم من نشرنا للمعايير العلمية العشرة لتقييم الكتب، فإن "الحاشدين" و"المُهيّجين" ماضون في التضليل، ليقارنوا بين كتب 2015 وكتب 2016، متناسين أو متجاهلين أن كتب 2014 قريبة جداً من 2016، وأن الخطأ والتحيز كان في كتب 2015، التي تم تعديلها في 2016.
قلت مراراً أن وزارة التربية كلفت أشخاصاً من ثقافة مسيطرة بإعداد كتب 2015، والتي امتلأت بلزوم ما لا يلزم، فتعرضت لنقد، ولم نعد نشاهد ان العلوم دمرت الإنسانية، وأبعدت الناس عن الدين، وزادت نسب الطلاق، وأن الاستخارة منهج علمي، وغير ذلك بكثير. فما الذي أثار الناس لحرق الكتب؟ ومن هيجهم ليصدروا عشرات التهديدات بالقتل لمن كتب ناقدا الكتب المدرسية 2015؟
قال الباحث فارس بريزات بأن التفكير الداعشي يسيطر على 280 ألف أردني اعترفوا بذلك، علماً بأن انتشار الاستعداد للفكر الداعشي يفوق ذلك بكثير، ودليلي التهييج والتحشيد اللذين شملا 90 % من المجتمع!!
والآن حشد "المُهيّجون" مقارنات بين كتب 2015 وكتب 2016، ليس بحثاً عن تطوير وتقييم، بل بحثا عن مبررات لحرق الكتب!! والا لكانوا أعدوا دراسات حول:
- ما الأكثر اشباعاً لحاجات الطلبة والمجتمع: كتب 2015 أم 2016؟
- ما الأكثر حداثة؟ الأكثر ارتباطاً بحاجات المستقبل؟
- ما الأكثر استثارة للتفكير؟
- ما الأكثر احتراماً للتنوع؟
- ما الأكثر احتراماً للمرأة؟
- ما الأكثر توافقاً مع حقوق الانسان؟ محاربة للتطرف؟
- ما الأكثر وطنية؟ انفتاحاً؟
- ما الأكثر مواطنة؟ الأكثر تحيزاً؟ الأكثر منطقية؟
ولأنهم يعرفون الحقيقة، ولا يريدونها، فإنهم يقارنون بين طارئ وتصحيح له في محتويين: ماذا كان وماذا حدث؟
لو تمسك العرب بقيم ما قبل الإسلام لما نجح المسلمون! لو قارنوا بين العهد العثماني وما بعده لما تحرر العرب! لو رجعنا إلى حكم زعيم العشيرة، لما تقدم الأردن، والغينا البرلمان والاحزاب والحرية والتنوع واحترام الآخر وكرامة المرأة وغيرها.. فلماذا اذن يصرون على المقارنة بين نموذجين، احدهما كان طارئاً وتم وضعه في ليل؟
اذن، لم يبحثوا عن الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان والمرأة والحداثة والتنوير وتحرير الفكر، والتخلص من الاحكام المسبقة، ولم يبحثوا عن سبل مواجهة التطرف والعنف والارهاب، بل حصروا انفسهم "بلماذا: حذفتم آيات واحاديث من كتب اللغة العربية والتربية الوطنية؟"... لاحظوا ان الدين والتربية الاسلامية ليست الطرف الأكثر في مبررات حرق الكتب،... كما أنهم لا يتحدثون عن كتب العلوم المليئة بالآيات الكريمة.
فالمشكلة اذن، هي في حذف الآيات والاحاديث من كتب اللغة العربية والتربية الوطنية، وهي كتب تهدف في الأصل والأساس الى مهارات لغوية وقيم وطنية مدنية وهوية جامعة!
طبعاً! وبكل تأكيد، ليس ادعاؤهم صحيحاً! فالآيات الكريمة والاحاديث الشريفة ما زالت تزين كل هذه الكتب، وان بنسبة اقل، لكن الروح الدينية تملأ هذه الكتب من أول كلمة إلى آخر كلمة.
ان هدف هذه المقالة هو بيان دور المناهج والتربية والكتب في مواجهة الفكر المتطرف، وفي هذا إعادة للمشكلة إلى وضعها الطبيعي.
فنحن نعاني من التطرف ومن غياب الفكر الناقد ومن سهولة التحشيد، ولعل هذا ما يؤرق دعاة وملهمي حرق الكتب!!

منطلقات أساسية:
1 - شهدت الأشهر الماضية ما يشير الى اننا جميعاً لم ندرس ولم نفهم ولم نمارس ما يسمى "فقه التغيير"، وهذا "الفقه" يتطلب وعياً باستراتيجيات التغيير من حيث التمهيد واثارة الوعي وتقديم المؤشرات، وحشد الدعم، بما لا يستفز مشاعر المعارضين، وهذا ما لم يحدث اطلاقاً. لقد حدث التغيير بشكل مفاجئ، ما ساعد المحرضين على حشد الناس وتهييجهم: حرقا وقتلا وتجاوزاً لكل قيمة.
اذن نحن بين فريقين: الاول غيّرَ واستفزَّ، والثاني حرّض واستنفر، وكلا الطرفين لم يقم بما توجب، فلا الوزارة عرفت كيف تُحدّثْ أو تدافع عن التغيير، ولا المُهيّجون استمعوا الى صوت الحقيقة، ودخل الدين وقوداً للحملات، وتيقن الناس انهم يتصدون للدفاع عن دين لم يمس في الحقيقة!
2 - اتضح أن المجتمع الأردني سهل الاستهواء، يصدق ما يقال له من أي مصدر عدا المصادر الرسمية، فالفتاوى الرسمية الرسمية لم تكن مؤثرة بمقدار فتاوي المحرضين.
وكلام التلفزيون الرسمي والوزير الرسمي لم يكن مؤثراً بمقدار كلام خطيب مسجد، لا علاقة له بالكتب ولا يعرف عنها شيئاً.
3 - اتضح غياب كامل للتفكير الناقد لدى الجميع، وهم خريجو الكتب التي يطالبون بالتمسك بها وعدم تغييرها، فلم يشك أحد بالمغالطات والأكاذيب التي سربت إليه، ولا حتى بالصور المزيفة من كتب غير أردنية، وبالمناسبة عصابات التزييف هي من جيّشت المجتمع ضد التغيير، وانتشرت الصور المزيفة، والفيديوهات المركبة والممنتجة بما يخدم اغراض عصابات التزييف.
وهذا يوضح مدى حاجتنا إلى كتب تعلم التفكير والتأمل والتفحص والشك، وتعدد الأدلة بدلا من القبول والتسليم بحقائق حتى لو كانت مزيفة.
4 - ولأول مرة -ربما في تاريخ مجتمعنا - ينتشر العنف والتهديد بالقتل لكتاب مارسوا أبسط حقوقهم في التعبير، حيث تلقى بعض هؤلاء، وهم قلة، تهديدات بالقتل والذبح، موقعة بأسماء صريحة لا لبس فيها. بل استغلوا الاقارب وجيشوهم لقتل اقاربهم بتهمة تغيير الكتب.
ولم يصدق أحد، أن وزارة التربية -وحدها بلا أية شراكة- هي من غيرت الكتب، وانها لم تشرك أيا من هؤلاء المهددين بالذبح في أي عمل ولو جزئي في الكتب الجديدة. نعم! ارجعوا مجتمعنا نحو الغرائزية والهمجية مستغلين شعار الدين وسماحته.
5 - وعاش مجتمعنا في مغلطة "بنت القرية" حيث تقول الاسطورة ان بنتا في تلك القرية تتمتع بكل مواصفات البعد عن الجمال، كانت مقدسة لجمالها عند كل سكان القرية. وكان ذلك بسبب انهم لم يروا جمال البنات في المدن والقرى البعيدة عنهم، فظنوا انها اجمل بنات العالم، أو ملكة جمال العالم! وهذا ما يحدث عندنا حين تقوم الحملة ضد الكتب الجديدة، بل لإعادة الكتب القديمة معتقدين انها افضل كتب العالم.
6 - ان الغالبية في مجتمعنا -مع الأسف- تشعر أن هويتها مهددة وقيمها تتعرض للانتهاك بسبب وجود "أقلية" وهي ليست أقلية حضور، فالمسيحيون مواطنون، فكيف للأكثرية ان تشعر بتهديد 3 % - 4 % من تنوع ديني مطلوب!
إن الرأي الشائع لدى المُحرِّضين والمُحرَّضين ان التنوع الديني يعني ان الاديان متساوية وهذا مرفوض لديهم، والتفكير ممنوع لأنه يعلي العقل على غيره من المصادر، والتنوع مرفوض لأنه يساوي بين الاديان، وهذا على الأقل ما أعلنه مجلس علماء أندونيسيا.
7 - لقد اعتدنا طبيخ الام، وصرنا نرى أنه افضل طعام، ورفضنا اي طعام آخر بديل، فالعادة تمنعنا من التجريب، وتشوه احكامنا، والا ما معنى أن كل شخص يعجب بطبيخ الام؟ أو ما معنى ان كل فتاة بأبيها معجبة؟
منعتنا العادات والتقاليد من رؤية أي جديد، حتى دبت لدينا الحماسة لنشر عاداتنا وتقاليدنا بالقوة على العالم،
فلماذا لا نتعامل مع الآخر بثقة، فليس لدينا ما يشعرنا بالنقص أو العار، وبإمكاننا اذا ما تفاعلنا مع غيرنا أن نسهم بدور فاعل في التقدم الانساني.
إن التمسك بالقواعد والثوابت امر جيد، شرط ان لا يعيقنا عن الحركة والتقدم، والا تقدم العالم ووقفنا عند ما قبل ألف عام. ان اعتماد الماضي نموذجاً للمستقبل أو نموذجاً وحيداً للمستقبل لن يقودنا الى أي مستقبل، ولن يساعدنا على الاسهام فيه!!
لقد قال أحد الفلاسفة وأظنه "كانت"، إني أقرأ نصوص جان جاك روسو عدة مرات حتى يزول تأثير سحرها وبلاغتها، فأكون قادراً على فهمها أو نقدها!! فهل نحن بحاجة الى الفهم أو النقد أم الى القبول والتسليم؟؟
اننا بحاجة الى دراسة تاريخنا بعيداً عن التهويل الثقافي ومبالغة الشعراء والمؤرخين ورواة السلاطين، وهذا لن يكون الا بتكوين ملكة أو مهارة النقد والوعي والفهم لدى اجيالنا. ولن يتوقف الخطاب التهييجي إلا بامتلاك مهارات التفكير والنقد ومهارات الاقتصاد في اليقين والاسراف في الشك. وكي لا تؤول العبارة الأخيرة، فإننا بحاجة إلى أن نكثر من التفحص والتأمل على حساب القبول الأعمى لحقائق أو اشاعات.
8 - واختلط خطابنا القانوني مع خطابات اخرى عديدة، غير قانونية، بل واعطينا غير القانونية الاولوية على القانون! والا ما معنى جرائم الشرف -لاحظوا الاسم- اقتران الجريمة بالشرف!! وما معنى الجلوة العشائرية وهي تحميل الابرياء مسؤوليات قانونية لم يرتكبوها!؟
وما معنى ان نتحدث عن عقوبات في السرقة وغيرها لم يتحدث عنها القانون؟
وما معنى ان نروج لكل تلك المخالفات القانونية في الوقت الذي نزعم فيه أننا دولة قانون؟
ان دولة القانون تعنى احترام القانون، وتقييم السلوك بمدى التزامه أو انكاره للقانون، فهل نحن دولة قانون تسمح لممارسات غير قانونية بأن تعلو على القانون؟!
كانت هذه هي بيئتنا! وهي بيئة تطرف أو حاضنة للتطرف، لأن الاستهواء والحشد والتجييش لا تنمو الا في بيئة تعاقب التفكير، وتقدس الخضوع والاستسلام، وتركن للماضي وتنادي بالعزلة عن الآخرين، وتخشى أقلية من مواطنيها، وتشعر أغلبيتها بأنها مهددة!!
ونتحدث في الحلقة المقبلة، عن نتاجات هذه البيئة وهي سلوكات المتطرفين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جهودكم مباركه (اسعد)

    الأحد 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    قد نبهت يا دكتور مبكرا الى المطب الذي نقع به والنتائج الكارثيه التي اوجدتها العمليه التعليميه , لكن بسبب هذه المناهج ذاتها وقولبة العقول , بات من الصعب تقبل التغيير ..في النهايه لا يصح الا الصحيح وللأسف في هذه الأثناء سيظل الأردن يدفع الثمن .
  • »مبدع (جبرائيل)

    الأحد 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    مقال رائع والاروع منه تفكير ومنطق الدكتور دوقان عقل وتفكير منفتح ومتطور نرجوا ان ينتشر منطقه وفكره على الجميع, لك منى كل الاحترام والتقدير