ترامب والانحطاط السياسي الأميركي: بعد انتخابات 2016

تم نشره في الاثنين 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • أنصار ترامب من الطبقة العاملة البيضاء في الولايات المتحدة - (أرشيفية)

فرانيسيس فوكوياما* – (فورين أفيرز) 9/11/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يُظهر فوز دونالد ترامب المثير للإعجاب على هيلاري كلينتون يوم 8 تشرين الثاني (نوفمبر)، أن الديمقراطية الأميركية ما تزال تعمل بأحد المعاني المهمة. فقد نجح ترامب ببراعة في تعبئة شريحة مهملة وقليلة التمثيل من الناخبين، الطبقة العاملة البيضاء، ودفع بأجندتها إلى صدارة أولويات البلاد.
مع ذلك، أصبح عليه الآن أن يفي بوعوده، وهو المكان الذي تكمن فيه المشكلة. كان الرئيس قد شخَّص مشكلتين حقيقيتين للغاية في السياسة الأميركية: تزايد التفاوت الذي ضرب الطبقة العاملة القديمة بقوة؛ واستيلاء جماعات المصلحة جيدة التنظيم على النظام السياسي الأميركي. لكنه لا يمتلك -للأسف- أي خطة لحل أي من المشكلتين.
يعود التفاوت في المقام الأول وقبل كل شيء إلى التقدم التكنولوجي، ويعود ثانياً إلى العولمة التي جعلت العمال في الولايات المتحدة مكشوفين أمام المنافسة من مئات الملايين من الناس في البلدان الأخرى. وقد بذل ترامب وعوداً كبيرة بأن يستعيد الوظائف إلى الولايات المتحدة في قطاعات مثل التصنيع والفحم، ببساطة عن طريق إعادة التفاوض على الاتفاقات التجارية القائمة، مثل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، أو من خلال تخفيف القوانين والقواعد البيئية. ويبدو أنه لا يدرك حقيقة أن قطاع الصناعات الأميركي قد شهد توسعاً في الحقيقة منذ ركود العام 2008، حتى مع انخفاض حجم العمالة في قطاع التصنيع. وكانت المشكلة هي أن الكثير من الصناعات المحلية الجديدة أصبحت تتم في مصانع مؤتمتة للغاية. وفي الوقت نفسه، لم يتقلص الاعتماد على الفحم بسبب السياسات البيئية للرئيس المنتهية ولايته، باراك أوباما، بقدر ما نجم ذلك عن ثورة الغاز الطبيعي التي جلبتها تقنية تفتيب الصخور الجديدة.
ولكن، أي سياسات يمكن أن تعتمدها إدارة ترامب لعكس وجهة هذه الاتجاهات؟ هل سيعمد إلى قوننة وتقييد استخدام الشركات الأميركية للتقنيات الجديدة؟ هل سيحاول منع الشركات الأميركية متعددة الجنسيات من الاستثمار في مصانع في الخارج، عندما يأتي قسم كبير من عوائد الشركات متعددة الجنسيات من الأسواق الأجنبية؟ سوف تكون الأداة السياسية الحقيقية الوحيدة المتاحة له هي فرض تعرفات عقابية، وهو ما يرجح أن يتسبب بنشوب حرب تجارية ستسفر عن خسارة الوظائف في قطاع التصدير، لشركات مثل "أبل"، و"بوينغ"، و"جنرال إلكتريك".
تبقى مشكلة استيلاء جماعات المصالح القوية على حكومة الولايات المتحدة مشكلة حقيقية، ومصدراً للانحطاط السياسي الذي كنتُ قد كتبُ عنه في مقالتي الأخيرة في مجلة "فورين أفيرز" بعنوان "انحطاط سياسي أميركي أم تجدد؟"، ومع ذلك، فإن حل ترامب الأساسي المطروح لهذه المشكلة يتجلى ببساطة في شخص ترامب نفسه، باعتباره شخصاً بالغ الثراء بحيث لا تستطيع المصالح الخاصة رشوته.
إذا نحينا جانباً حقيقة أن لديه تاريخا من التلاعب بالنظام واستغلاله لمصلحته الخاصة، فإن هذا الحل يشكل بالكاد وسيلة إصلاح مستدامة. وكان ترامب قد اقترح أيضاً اتخاذ تدابير مثل حظر توظيف الباب الدوار (الانتقال من وظائف القطاع العام إلى القطاع الخاص والعكس) للمسؤولين الفيدراليين كأعضاء في جماعات الضغط. وسوف يؤدي ذلك إلى مجرد ملامسة أعراض المشكلة وليس معالجة الأسباب الجذرية التي تتعلق بالحجم الهائل الذي يلعبه المال في السياسة. هناك، لم يضع ترامب أي خطط حقيقية للمضي إلى الأمام، والتي سيتطلب أي منها بشكل حتمي إلغاء قرارات المحكمة العليا في قضايا مثل "باكلي ضد فاليو" و"المواطنون المتحدون" التي اعتبرت أن استخدام المال هو من أشكال حرية التعبير، وهو بالتالي محمي دستورياً.
يمكن إصلاح النظام السياسي الأميركي المتراجع فقط بصدمة خارجية قوية، والتي يكون من شأنها أن تخرجه من حالة التوازن الحالي، وتجعل بالإمكان إجراء إصلاح حقيقي في السياسة. ويوفر فوز ترامب في الحقيقة مثل هذه الصدمة، لكن إجابته الوحيدة، للأسف هي تلك الإجابة الشعبوية السلطوية التقليدية: ثقوا بي أنا القائد الكاريزمي، ودعوني أعتنِ بحل مشاكلكم. وعلى غرار الصدمة التي سببها سيلفيو برلسكوني للنظام السياسي الإيطالي، سوف تتمثل المأساة الحقيقية بعد فوز ترامب في إضاعة فرصة سانحة لإجراء إصلاح حقيقي.

*زميل رفيع في جامعة ستانفورد، ومدير مباشر لمركز الديمقراطية والتنمية وحكم القانون فيها.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Trump and American Political Decay: After the 2016 Election

‏ala.zeineh@alghad.jo

التعليق