أفريقيا في مقابل المحكمة الجنائية الدولية

تم نشره في الثلاثاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً

أرييه نيير*

نيويورك- سلمت حكومة الرئيس جاكوب زوما في جنوب أفريقيا بتاريخ 19 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي مستندات للأمم المتحدة، والتي عبرت فيها عن نيتها الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية. وكان هذا القرار مفاجئاً للعديد من المراقبين والمهتمين بشؤون المحكمة الجنائية الدولية.
وقبل ذلك بأسبوع، كانت بوروندي أول دولة عضو تنسحب من المحكمة الجنائية الدولية. وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أشارت إلى أنها ستحقق، وربما ستوجه الاتهام لمسؤولين حكوميين بعد أن ألقى الرئيس البوروندي بيير نكورونزيزا ببلاده في أتون الاضطرابات عندما رشح نفسه لفترة رئاسية ثالثة، بما يخالف الدستور.
ولقي الكثير من الناس مصرعهم في الاضطرابات التي تسبب بها نكورونزيزا، مما أعطى له ولغيره من المسؤولين الحافز للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية. ولكن، لا توجد لدى المحكمة خطط لتوجيه اتهامات في جنوب أفريقيا، وهو ما أثار دهشة الجميع من دوافع القرار الذي اتخذته حكومتها بالانسحاب.
ليس الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية بالأمر السهل. فطبقاً لميثاق روما لسنة 2002 والذي أسس المحكمة، فإن البلد يبقى عضواً في المحكمة الجنائية الدولية لمدة سنة واحدة على الأقل بعد أن يخطر الأمم المتحدة بنيته الانسحاب. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ذلك البلد يكون مطالباً بالاستمرار في التعاون مع المحكمة الجنائية الجدولية فيما يتعلق بأي إجراءات قضائية بدأت قبل تاريخ سريان مفعول الانسحاب.
وهكذا، سوف يسمح للمحكمة الجنائية الدولية بإكمال أي ملاحقات قضائية تبدأها خلال السنة المقبلة. وهذا يعني أنه ليس بإمكان المحكمة توجيه اتهامات للمسؤولين البورونديين فحسب، بل وملاحقتهم أيضاً إلى أجل غير مسمى إذا لم يستسلموا أو لم يتم تسليمهم من قبل الحكومة البوروندية.
أما في جنوب أفريقيا، فإن قرار حكومة زوما بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية هو قرار مشكوك فيه من الناحية القانونية. ففي واقع الأمر، قد لا يصبح هذا القرار ساري المفعول نظراً لأن زوما قد تصرف لغاية الآن وحده، حيث لم يقم بعرض الموضوع على برلمان جنوب أفريقيا الذي صادق على القرار الأصلي بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، والذي يجب أن يشارك في أي قرار بالانسحاب. كما لم يمنح زوما شعب جنوب أفريقيا فرصة مناقشة القضية أو التأثير على القانون التشريعي الذي سيتم اتخاذه في نهاية المطاف.
إذا بقي هذا القرار الأحادي ساري المفعول، فإنه سيترك جنوب أفريقيا في وضع غامض. فبينما سينتهي وضع البلد كعضو في المحكمة الجنائية الدولية، فإن الحكومة ستبقى ملزمة بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية طبقاً لقانون التنفيذ الذي تبناه برلمان جنوب أفريقيا سنة 2002.
يبدو أن القرار بالانسحاب يعكس قلق زوما الشخصي بعد زيارة الرئيس السوداني عمر البشير لجنوب أفريقيا في حزيران (يونيو) 2015. وقد تم توجيه تهم الإبادة الجماعية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب للبشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية سنتي 2009 و2010. وعندما حضر البشير مؤتمر القمة الأفريقية في جنوب أفريقيا في العام الماضي، قام مركز جنوب أفريقيا للمقاضاة، وهو منظمة غير حكومية، برفع دعوى بموجب قانون التنفيذ لسنة 2002 مطالبا الحكومة باعتقاله.
وقد حكمت المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف العليا لصالح مركز جنوب أفريقيا للمقاضاة، ولكن حكومة زوما أحبطت تلك القرارات من خلال مساعدة البشير على الهرب من البلاد. كما قامت حكومة زوما باستئناف تلك الأحكام. وكان من المقرر أن يعرض الأمر على المحكمة الدستورية في البلاد بتاريخ 22 تشرين الثاني (نوفمبر)، لكن الحكومة عندما أعلنت قرارها المتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية، أعلنت كذلك أنها ستسحب استئنافها في المحكمة الدستورية، مما يوحي بأن زوما ينتقم بوسائل أخرى من أولئك الذين قاموا بإحراجه من خلال القضاء.
كان العنصر الآخر وراء القرارات الأخيرة بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية هو الحملة الحالية التي تشنها بعض الدول لاتهام المحكمة بأنها تستهدف القادة الأفارقة. وعلى الرغم من أن هناك بعض الحقيقة في مثل هذا الاتهام، فإن من الجدير تذكر أن جميع الملاحقات القضائية ضد الأفارقة تمت إحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية من الحكومات الأفريقية نفسها أو من مجلس الأمن الدولي. وكان الاستثناء الوحيد هو القضية التي تتعلق بالعنف العرقي الذي حصل بعد الانتخابات في كينيا سنة 2007، والتي أحالها إلى المحكمة الجنائية الدولية الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي آنان بعد أن ساعد على التوسط في النزاع.
في واقع الأمر، من المرجح أن تكون القضايا في المحكمة الجنائية الدولية أكثر تنوعاً في القريب العاجل. فالمحكمة تقوم بشكل نشط بمراقبة الجرائم في أجزاء أخرى من العالم، بما في ذلك جرائم القتل المنتشرة خارج نطاق القانون، والتي تستهدف من يشتبه بتعاطيهم المخدرات في الفلبين. وقد قامت المحكمة الجنائية الدولية فقط بإتمام عدد قليل من الملاحقات القضائية في أفريقيا، ولكن يبدو أن تصرفاتها قد أدت إلى كبح جرائم العنف بشكل كبير في عدة بلدان، وسوف يكون من المؤسف حقاً إذا قررت الدول الأفريقية الأخرى أن تحذو حذو الحكومات في بوروندي وجنوب أفريقيا.

*الرئيس الفخري لـ"مؤسسات المجتمع المفتوح" وأحد مؤسسي منظمة هيومن رايتس ووتش، وهو مؤلف "الحركة الدولية لحقوق الإنسان: تاريخ".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق