هل يقوم ترامب بإسقاط الغرب؟

تم نشره في السبت 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • اجتماع للدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي – (أرشيفية)

كريس باتِن*

لندن - أمضيت حياتي السياسية كلها في مكان ما يسمى "الغرب". ولكنه لم يكن "غرباً" بالمعنى الحرفي: فبالرغم من أن قلبه يتألف من أوروبا الغربية والولايات المتحدة، فإنه يضم أيضا دولا نائية، مثل أستراليا واليابان. وكان يشكل، بدلا من ذلك، مجتمعا يتقاسم الآمال والقيَم. وبما يعكس قيادة أميركا العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، كان الغرب يحظى بحماية القوة الحازمة التي تتمتع بها الولايات المتحدة، في حين يتشكل بفعل قوتها الناعمة. وكان الغرب هو المكان الأكثر سلاما وازدهارا في العالم كله.
كان الغرب يعمل منذ فترة طويلة على توفير الأساس للنظام العالمي -والذي ربما كان الأساس الأكثر نجاحا على الإطلاق. فبقيادة الولايات المتحدة الأميركية، كان الغرب يبني ويشكل ويدعم المؤسسات الدولية والترتيبات التعاونية والسبل المشتركة في التعامل مع المشاكل المشتركة. وفيما كان يساعد في الحفاظ على السلام وتعزيز الرخاء والازدهار في قسم كبير من العالم، فقد اجتذبت طرائقه ومبادئه الملايين من الأتباع.
غير أن انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة أصبح يهدد هذا النظام بالكامل. وإذا نَفَّذ ترامب عندما يشغل منصبه ما وعد بالقيام به خلال حملته الانتخابية الفظة والكاذبة، فإنه قد يعيث فساداً في هذا الكيان المتطور الذي استغرق تطوره عقوداً عديدة، واستفاد منه المليارات من بني البشر. ويتعين على أولئك من أمثالنا الذين استفادوا من هذا الكيان، شأنهم في ذلك شأن الأميركيين، أن يكافحوا من أجله في حين ما تزال الحياة تدب في جسده.
يدور أحد الوعود التي لا ينبغي لترامب أن ينفذها أبدا حول تعزيز تدابير الحماية التجارية. وكانت الحجة لصالح تمزيق اتفاقيات التجارة الحرة، وإجهاض أي مفاوضات بشأن إبرام اتفاقيات جديدة، قائمة على اعتقاد بأن العولمة هي التي كانت السبب وراء اتساع فجوة التفاوت في الدخول، والتي أدت إلى تقطع السبل بالطبقة العاملة الأميركية التي باتت كالمهجورة. لكن المصادر الحقيقية للآلام الاقتصادية التي يعاني منها العمال الأميركيون هي الإبداع التكنولوجي وسياسات الضرائب والإنفاق التي تحابي الأغنياء.
إذا تخلى ترامب عن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية مع المكسيك وكندا، على سبيل المثال، وأدار ظهره للتصديق على اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، وتحدى منظمة التجارة العالمية، فسوف يُلحِق الضرر بنفس الأشخاص الذين صوتوا لصالحه. وسوف يخسر أصدقاءه ونفوذه في الخارج.
ووفق سياسة أخرى قد يلاحقها ترامب، ستتراجع الولايات المتحدة عن الترتيبات الأمنية مع دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى منظمة حلف شمال الأطلسي. ومن منظور ترامب المشوه، لا ينبغي للولايات المتحدة أن تقدم الأمن "مجاناً" لحلفائها، وينبغي لها بدلاً من ذلك أن تتركهم يدافعون عن أنفسهم بأنفسهم.
في الممارسة العملية، قد يُفضي هذا الموقف إلى زعزعة الاستقرار العالمي إلى حد كبير. فهو يعني وقوع أوروبا الشرقية ودول البلطيق تحت رحمة روسيا. وسوف تصبح آسيا والشرق الأوسط عرضة لخطر الانتشار النووي، لأن الدول التي تفتقر إلى الحماية الأمنية التي كانت الولايات المتحدة توفرها لها قد تسعى إلى امتلاك ترساناتها النووية الخاصة ـوهو النهج الذي قال ترامب أنه قد يكون مقبولاً.
يشكل تعهد ترامب بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران مثالا واضحا على ذلك. فهل يتصور أحد أن المملكة العربية السعودية قد تقف ساكنة إذا استأنفت إيران برنامج الأسلحة النووية؟ الواقع أن انتقاد الاتفاق –الذي كان إنجازا كبيرا لرئيس الولايات المتحدة باراك أوباما- ربما خدم ترامب خلال حملته الانتخابية، ولكن إلغاءه فعليا من شأنه أن يجعل العالم مكانا أشد خطورة.
ولا يقل عن هذا تعقيدا وإثارة للمشاكل، نهج ترامب المعلن حول التعامل مع قضية تغير المناخ. فقد أعلن أنه يعتزم الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، والذي يهدف إلى الحد من انبعاث الغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي. وقد عين ترامب بالفعل مايرون إبيل، وهو أحد المنكرين الصريحين لتغير المناخ، للإشراف على المرحلة الانتقالية في هيئة الحماية البيئية في الولايات المتحدة.
يؤسس ترامب نهجه على أساس اعتقاد تافه بأن تغير المناخ الناجم عن أنشطة بشرية ليس أكثر من خدعة اخترعها الصينيون لتقليص قدرة الصناعة الأميركية على المنافسة. وهذا ليس الاتهام الوحيد الذي كاله ترامب للصين. والواقع أن موقفه العدائي بشكل عام في التعامل مع الصين، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالتجارة، يهدد بإلحاق المزيد من الضرر بالعلاقات الثنائية المتوترة مسبقاً، ويشكل بالتالي خطرا يهدد الشركات الأميركية متعددة الجنسيات وحلفاء الولايات المتحدة على حد سواء.
كما تشكل رئاسة ترامب نوعا من التهديد الوجودي أيضا. ذلك أن تعليقاته الغالبة عن فئات مهمشة -بما في ذلك المسلمين والمكسيكيين والنساء والأشخاص من ذوي الإعاقات- يهدد القيم الجوهرية لهوية أميركا ومكانتها في العالم، والتي تربط دول الغرب معاً برباط واحد.
يبدو أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كانت واحدة من أوائل زعماء العالم الذين يدركون بأي سرعة قد يتسبب انهيار زعامة الولايات المتحدة في جلب نهاية للنظام العالمي لما بعد العام 1945. وكانت استجابتها لفوز ترامب بليغة وقوية: "إن ما يربط بين ألمانيا وأميركا هو قيم الديمقراطية، والحرية، واحترام القانون وكرامة الإنسان، بصرف النظر عن الأصل، أو لون البشرة، أو الدين، أو الجنس أو التوجه الجنسي، أو الآراء السياسية". وأعلنت أنها ستعمل مع ترامب على أساس هذه القيم.
ولا بد أن يكون هذا على وجه التحديد هو استجابة كافة حلفاء وأصدقاء أميركا. ومثل ميركل، ينبغي لنا جميعاً أن نؤكد صراحة على دعمنا لكل ما يرمز إليه الغرب، وكل ما حققه من إنجازات. ويتعين علينا أن ندين أي تحرك قد يقوم به ترامب لتقليص حكم القانون وقواعد المجتمع الحر. كما يتعين علينا أن نسوق الحجج لصالح التجارة الحرة، التي جلبت فوائد بعيدة المدى على الإنسانية. ويجب أن نناضل للحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران ومنع الانتشار النووي في مختلف أنحاء العالم.
هناك أيضاً ضرورة التأكيد مجدداً على التزامنا بالوقوف بحزم ضد نزعة المغامرة الروسية في أوروبا الشرقية والوسطى. وعلى وجه الخصوص، يتعين علينا أن نوضح أن المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي تنطبق على ليتوانيا، ولاتفيا، وإستونيا، وبولندا -وجميعها دول أعضاء في التحالف العسكري الذي ما يزال تحت قيادة الولايات المتحدة. (ومن المفيد أيضاً، بعد سنوات من التراجع، أن ترفع دول أوروبا الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي من مساهماتها لصالح دفاعنا الجماعي).
أخيراً، ينبغي لنا أن نؤكد أنه على الرغم من عدم اتفاقنا في الغرب مع سياسات الصين التجارية والتدابير القمعية التي تتخذها في الداخل، فإننا نريد أن نعمل معها، ولا نسعى إلى تهميشها أو إذلالها.
كانت فكرة "الغرب" من أروع إنجازات أميركا (وإن كانت دول أخرى عديدة قد ساهمت فيها أيضاً). وستكون كارثة حقيقية تحل على العالم إذا أقدمت أميركا، في تصرف يتسم بالتهور المدمر للذات، على القذف بهذا الكيان النبيل العملي والملهم إلى مزبلة التاريخ.

*آخر حاكم بريطانيا لهونغ كونغ، ومفوض سابق للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، وهو مستشار لجامعة أوكسفورد.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق