إطلالة محزنة على الذاكرة السياسية

تم نشره في الأربعاء 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:00 صباحاً
  • مسنة فلسطينية تحتضن طفلا على ركام منزلهما بعد تدميره من قوات الاحتلال الإسرائيلي جنوب الضفة الغربية - (ارشيفية)

محمد الشواهين

لفت انتباهي ما ورد في إحدى الحلقات التي تبثها قناة "العربية" ضمن برنامج "الذاكرة السياسية"، مستضيفة السياسي الأردني المخضرم عدنان أبو عودة الذي شغل، ضمن مناصب أخرى، منصب وزير الإعلام.
الرجل لديه محصول واسع من الثقافة السياسية، لأنه عايش بنفسه معظم الأحداث المهمة أثناء وجوده في المناصب التي تقلدها في حقبة المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه. وكان أبو عودة من المقربين لرأس الدولة، سواء أثناء عمله ضابطا في دائرة المخابرات العامة، ثم وزيرا للإعلام، فمستشارا سياسيا في الديوان الملكي. أضف إلى ذلك أنه كان صديقا مقربا من المرحوم وصفي التل، رئيس الوزراء الأسبق وصاحب اليد الطولى في السياسة الأردنية.
كمواطن أردني متعلم ومتابع للأحداث السياسية منذ نعومة أظفاري، أشعر في كثير من الأحيان بالغيظ الشديد مما وصلنا إليه من ضعف وقلة حيلة، مقارنة بما يملكه عدونا من قوة ذاتية، كما دعم غير محدود من القوى العظمى على غير حق، ما جعل عدونا "يتنمرد" علينا، ويتمرد على القرارات والأعراف الدولية كافة، ويلقي بها عرض الحائط إن لم تكن في صالحه أو على مزاجه، إذا جاز التعبير.
لا أود في هذا المقام أن أخوض في تفاصيل ما جاء في الحلقات التي تبثها "العربية" مع السياسي أبو عودة كل يوم جمعة، فالملايين غيري من المستويات كافة يشاهدونها. لكن أود فقط أن أعلق على بعض الومضات التي لا تسر أي عربي لديه ضمير أو بقية من حمية. وثمة أمور غريبة وعجيبة حدثت على أرض الواقع، ولا تجد إلا قلة القلة تتحدث عنها، وليس في حينها بل في وقت متأخر، من خلال حلقات على صفحات الصحف، أو مذاعة في قنوات التلفزة، لكونها من المحرمات التي لا يجوز البوح بها.
في العام 1972، تقدم جلالة المغفور له الملك الحسين بمشروع المملكة العربية المتحدة. وكان مشروعا في غاية الذكاء في ميدان الدبلوماسية العالمية. لكن، وللأسف الشديد، وقفت منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات (أبو عمار) والرئيس المصري أنور السادات ورئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير ضد هذا المشروع الذي كنا نحلم به منذ منتصف الخمسينيات، ولكل واحد من هؤلاء الثلاثة حساباته الخاصة به.
ثم في مؤتمر قمة الرباط العام 1974، تم اتخاذ قرار اعتبر منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وقد فرح الناس البسطاء وهللوا، فلم يكن بمقدورهم إدراك تبعات هذا القرار، وما سوف يعقبه من مؤامرات على الشعب الفلسطيني.
القيادة الهاشمية، بما لها من حضور ووزن واعتبار دولي، كانت قادرة على استعادة الضفة وإزالة الاحتلال، بينما القيادة الفلسطينية، سواء كانت ممثلة بالقائد المناضل ياسر عرفات أو بأبو مازن أو سواهما، لا تلقى القبول التام لدى القوى العظمى المؤثرة صاحبة الحل والربط، ناهيك عن القيادة الصهيونية، بتهمة الضعف وعدم القدرة على كبح جماح بعض الجماعات الثورية المتحمسة من إثارة القلق للاسرائيليين.
عدنان أبو عودة سأل يوما وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كسينجر، ما إذا كان هو وراء فكرة "أرض متنازع عليها" بدلا من أرض محتلة، فغضب وأنكر. إذ إن هذه الفكرة الخبيثة اعتبرت الضفة الغربية أرضا متنازعا عليها بين الاردنيين والفلسطينيين والاسرائيليين، فبقي المستفيد الأوحد من هذا الوضع الجديد إسرائيل؛ فهي المحتلة وصاحبة النفوذ الذي تبسطه على الأرض المحتلة بحجة أنها أرض صهيونية "محررة" وليست محتلة!
المشهد الذي لا يخفى على أحد، أنه ليس في نية إسرائيل اليوم، ولا في أي وقت، أن تعيد بوصة واحدة من أرض الضفة الغربية للفلسطينيين، وأن وجود السلطة فيها كحكم ذاتي لا يؤخر ولا يقدم في سيادة إسرائيل وهيمنتها؛ على العكس، إسرائيل رفعت عن كاهلها أعباء التعليم والصحة والطرق والشؤون الاجتماعية والأمن الفلسطيني وغيرها من أعباء تملصت منها بذكاء، وأناطتها بالسلطة. والخاسر الوحيد هو المواطن الفلسطيني الذي لم يكن يعارض الحكم الهاشمي، كقيادة تاريخية شرعية جربها منذ العام 1950، أيام وحدة الضفتين، وكل همه أن يزول عنه هذا الاحتلال البغيض الجاثم على صدره بأي وسيلة كانت.

التعليق