"إن أكرمكم عند الله أتقاكم"

تم نشره في الجمعة 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً

أ. د. محمد خازر المجالي

إن كان من عنوان أضعه لهذه الجملة، فهو "ترسيخ القيم والمبادئ". وهنا مقياس التفاضل بين البشر، حين يُلغي الإسلامُ العظيم الفوارق كلها التي خلقنا الله تعالى عليها، ويبقي قيمة سامية هي تقوى الله تعالى.
هذه الجملة المؤكَّدة المخبِرة بأن الأكرم والأفضل هو الأتقى، جاءت في آية تتحدث عن أصل خلق الإنسان: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات، الآية 13). فكلنا لآدم وحواء، سواسية، لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى. فلا يفاخر أحد بنسبه ولا بماله ولا منصبه، فهذا متاع الدنيا الزائلة، والذي ينفع أحدَنا في الدار الباقية هو عمله وتقواه، وبحسبهما تكون درجة أحدنا في الآخرة، بل مصيره ابتداء، إلى خير وفوز أم إلى شر وخسارة. وتأتي فاصلة الآية في النهاية معلمة بأن الله عليم خبير؛ فمسألة التقوى أمر مخفي لا يدركه إلا علّام الغيوب سبحانه.
والسورة التي جاءت فيها الآية هي "الحجرات"، التي أطلق عليها العلماء سورة الآداب، لكثرة ما فيها من توجيهات ضامنة لسلامة المجتمع ومسيرته الحضارية. ابتدأت بضرورة التزام شرع الله وأن لا نقدِّم شيئا عليه. وهذا رمز الخضوع والاستسلام لله تعالى، وهو روح الإسلام الحقيقي: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ..." (الحجرات، الآية 1)؛ أي لا تقدِّموا رأيا ولا تشريعا ما دام الله سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وسلم قد شرَّعا ذلك. وبعد ذلك تتحدث الآيات عن تعظيم حق النبي صلى الله عليه وسلم، بعدما رُفع الصوت عنده، ولا بالجهر له بالقول كما يكون لأحدنا مع الآخر، ولا أن نناديه بطريقة غير مناسبة. وهنا نأخذ مبدأ احترام القائد والعالِم والكبير؛ فلا بد من أخلاق ناظمة لحياتنا، ولا يجوز لأحدنا أن ينطلق في حياته بلا مبادئ ولا قيم.
وتتحدث الآيات بعدها عن ضرورة التثبت من الأخبار؛ فلا نصدِّق كل ما يقال، حتى لا نتصرف تصرفا نندم عليه. وهذا منهج عام في العلاقات كلها. وهنا ترشدنا الآيات إلى ضرورة تعميق الإيمان الذي حببه الله إلينا، وزينه في قلوبنا، وكرَّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، أن نأتي مداخلها، فضلا عن أن نلجها ونرتع فيها.
ثم تتحدث الآيات عن احتمالية وقوع الاقتتال بين المؤمنين أنفسهم، لسبب ما، فلا بد من الصلح بينهم. فإن بغت إحدى الطائفتين على الأخرى، فلا بد من لجم الباغية حتى تفيء إلى أمر الله وحكمه. وعندها لا بد من الصلح من جديد، حتى تهدأ النفوس وتعود إلى رشدها. فالمؤمنون إخوة، ولا يجوز للمؤمن أن يسمح لنفسه أن تنزلق في طريق الكفر أو الفسوق أو العصيان، بل الرشد والحكمة ينبغي أن يحضرا ويسيِّرا حياة أحدنا، لا العصبية ولا القبلية ولا النعرات أنى كان موجِّهها.
وفي هذا السياق، يأتي النهي عن سخرية بعضنا من بعض، وأن نلمز أنفسنا، وننادي بعضنا بالألقاب التي نكرهها. ويا له من تعبير: "... وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ..." (الحجرات، الآية 11)، حين يوضح النص أننا كنفس واحدة؛ فأي لمز للآخر هو لمز للنفس، وضرره راجع إلى النفس، فالمؤمنون إخوة وجسد واحد.
وترشدنا الآيات إلى اجتناب كثير من الظن، بل نحسن الظن عموما، حتى لا نقع في أعراض الناس ونطلق لألسنتنا وظنوننا العنان. كما ترشدنا بأن لا يتجسس بعضنا على بعض؛ ووسائل التجسس اليوم متنوعة. وأن لا يغتاب بعضنا بعضا بأن يذكر أحدُنا أخاه بما يكره في غيبته. وبعد هذا يأتي قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى..."، تعقيبا على كل تلك التوجيهات؛ فعلام التفاخر والعجب بالنفس والتكبر على الآخرين، فكلنا مخلوق من آدم، وآدم من تراب، وإن كان من ميزان حقيقي للتفاضل فهو التقوى.
ولذلك، خُتمت السورة بمجموعة من الآيات التي تبين حقيقة الإيمان. فقد زعمت الأعراب حينها أنهم آمنوا، فرد عليهم القرآن بأنهم لم يؤمنوا ولكنهم أسلموا. وهنا نبين حقيقة أن الإيمان والإسلام إن اجتمعا في سياق واحد فلكل معناه. فالإسلام هو بأركانه المعروفة، والإيمان كذلك؛ والإيمان محله القلب، والإسلام عمل منبثق عن إيمان، ولكن يبدو أن هؤلاء لم يلامس الإيمان قلوبهم واكتفوا بالعمل من دون اليقين بالله تعالى.
وعودة إلى مقياس التفاضل وقيمة التقوى؛ فإن النص يؤسس لمجتمع الحضارة، ويهدم في النفس حب العجب والافتخار بالنسب والجاه والمال وغيرها من مقومات المجتمع الجاهلي. وفي النص لفتة رائعة هي عبارة "عند الله"؛ فالله هو الخالق وهو المشرِّع وهو الأعلم بخلجات النفوس وتقلباتها، وهو الذي إليه المصير. ولذلك يبين حكمه في أن الأكرم هو الأتقى، كائنا من كان. فالقيمة الأساسية هي تقوى الإنسان المبنية على معرفته بالله وحقوقه وطاعته والتزام طريقه، وبالتالي ينعكس هذا كله على النفس استقامة وخُلُقا وطيب معشر، وفي النهاية يكون إنسانا صالحا في دنياه، وفي أعلى درجات الجنة في الآخرة.
هناك محفِّزات لهذه النعرات التي تجتاح مجتمعاتنا، كغياب الوازع الديني، والتربية الخاطئة على الافتخار بالنسب، والظلم وغياب العدالة ومحاربة أفكار بتشجيع فريق على آخر. فكلها أسباب مقلقة غير مستقيمة. والمواطَنة ينبغي أن تكون هي الأساس، ولا فرق بين أحد وآخر، ولكل حقوق وعليه واجبات، ولا بد لسفينة المجتمع أن تسير بأمان.
ولا نريد أن نؤتى من قِبل المعاصي، ولا أن ينهار مجتمعنا داخليا بالخلاف والاقتتال. وتحضرني قصة ذلك الخليفة العباسي المستنصر، وجنود التتار تحاصر بغداد قبل أن تفتك بها وتقتل قرابة المليون من سكانها، وتدمر كل شيء. إذ كتب المستنصر إلى أحد ولاته أنْ سمعنا أن عندك مغنيا حسن الصوت فابعث به ليطربنا، فكانت النتيجة ما حل ببغداد. ولنقس على هذه كثيرا من الأمور التي تغضب وجه الله، وتأتي على المجتمع وتهدده، وتمنع عنه حتى ماء السماء.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائع يا مجالي (صخريه روحها مجاليه)

    الجمعة 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    لو كل اتبع سنة النبي وسار على نهجه ما كان هناك فروقات لا مجتمعية ولا طبقيه
    لكننا في مجتمع اساسه انا ابن فلان من عشيرة...
    الفروقات حاصله
    بل على العكس كلما زادت التقوى زادت البلوى في هذا البلد الا من رحم ربي
    كم من تقي حبس وعذب من كلمة حق قالها .. وانت يا دكتور اكثر الأشخاص علما ودراية بهؤلاء ومعظمهم اصدقاء ومعارف لك...

    معك حق في كل حرف نقشته لكننا في بلد لا تنصف ولا تجيد العدل الا في الظلم..