مَن سيكون الرئيس ترامب؟

تم نشره في الثلاثاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً

جيفري فرانكل*

كمبريدج- كان الفوز الانتخابي المذهل الذي حققه دونالد ترامب سبباً في دفع الولايات المتحدة -والعالَم- إلى منطقة مجهولة. فلم يسبق للولايات المتحدة من قَبل أن حكمها رئيس بلا خبرة سياسية أو عسكرية، أو رئيس يتهرب بشكل روتيني من الحقيقة، ويعتنق نظريات المؤامرة، ويتناقض مع نفسه على هذا النحو الفج. كل هذا يجعل من المستحيل أن نعرف كيف قد يدير الحكم.
لكن رئاسة ترامب التي باتت قريبة ليست بلا سابقة: فهناك رئاسة جورج دبليو بوش. والواقع أن أوجه التشابه بين الحالتين عديدة. فبادئ ذي بدء، لم يفز ترامب، مثله في ذلك كمثل بوش، بالتصويت الشعبي الكاسح، ولكنه يستطيع على الرغم من ذلك الافتراض أن لديه تفويضا كافيا لإجراء تغييرات شاملة. وقد يُفضي اتجاه هذا التغيير إلى نتائج ليست مقبولة -حتى بين أنصاره.
من بين الوعود التي أطلقها ترامب في مجال السياسة الاقتصادية، من المرجح أن تُستَن مقترحاته المالية: إجراء تخفيضات ضريبية كبيرة لصالح الأغنياء وزيادة الإنفاق على الدفاع وبنود أخرى. وربما تكون النتيجة هي ذاتها التي شهدناها عندما لاحَق بوش سياسات مماثلة: اتساع فجوة التفاوت بين الناس، ونمو عجز الموازنة.
وبالإضافة إلى ذلك، قد ينتهي الخط الصاعد الذي شهدته سوق البورصة طوال سبع سنوات. ومن المرجح إلى حد كبير أن يسارع ترامب، الذي هاجم السياسة النقدية المتساهلة التي انتهجها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خلال حملته، إلى عكس وجهة هذا الموقف والضغط على بنك الاحتياطي الفيدرالي لمنعه من رفع أسعار الفائدة.
لن يتمكن ترامب على الأرجح من الوفاء بوعده بزيادة حصة صادرات الاقتصاد الأميركي. ومن المؤكد أنه لن يكون قادراً على استعادة الوظائف في قطاع التصنيع التي خسرتها الولايات المتحدة في العقود الأخيرة، مثلها في ذلك كمثل كل الدول الصناعية. ومن المحتمل أن تبدأ فجوة التفاوت في الدخل في الاتساع مرة أخرى، بالرغم من التحسن اللافت للنظر الذي طرأ على دخل الأسرة المتوسطة ومعدل الفقر في العام الماضي.
والركود متوقع عند مرحلة ما من رئاسة ترامب، اعتماداً على السجل التاريخي الحافل للرؤساء الجمهوريين. فخلال إدارة جورج دبليو بوش شهدنا فترتي ركود؛ وقد بدأت أغلب فترات الركود منذ أزمة الكساد العظيم في عهد رؤساء جمهوريين.
سوف تكون رئاسة ترامب أكثر مدعاة للقلق عندما يتعلق الأمر بجبهة السياسة الخارجية؛ حيث تنتظرنا العديد من الكوارث. ولدينا من الأسباب ما يجعلنا نخشى أن تؤدي حسابات خاطئة إلى كوارث، تماماً كما تخبط بوش في الرد على هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية، وفشل في أسر أسامة بن لادن، وغزا العراق.
سوف يتأثر دور أميركا كزعيمة عالمية بكل تأكيد، شأنه في ذلك شأن "القوة الناعمة" التي كانت تستمدها سابقاً من كونها نموذجاً للديمقراطية يقلده آخرون. ومن ناحية أخرى، من المرجح أن يؤدي افتقار ترامب للدراية اللازمة إلى تشجيع خصوم الولايات المتحدة التقليديين، مثل روسيا وسورية وكوريا الشمالية.
كما احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب؛ أي أن ترامب سيكون قادراً على الوفاء بوعوده بإلغاء أكبر إنجازات أوباما التشريعية، بدءاً بقانون الرعاية الميسرة (أوباما كير). ولكن هذا سوف يكون اختباراً مثيرا للاهتمام. فكيف قد يتعامل ترامب مع ردة الفعل السلبية القوية عندما يبدأ الناس في خسارة تأمينهم الصحي؟
سوف يحاول ترامب والجمهوريون في الكونغرس أيضاً إلغاء تشريعات دود-فرانك المالية التي تم تبنيها بعد أزمة 2008 المالية، وبالتالي إطلاق العنان للبنوك وغيرها من المؤسسات المالية. وخارج وول ستريت، سوف يحاولون تقليص قوانين مكافحة الاحتكار والتنظيمات البيئية، وخاصة تلك التي تحد من انبعاث الغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي.
وأخيراً، سوف يرشح ترامب قضاة المحكمة العليا، التي ظل أحد مقاعدها شاغراً منذ وفاة القاضي أنطونين سكاليا في شباط (فبراير).
مع ذلك، ينبغي أن نكون شاكرين لحقيقة أن مقترحات ترامب الأكثر شراسة خلال الحملة الانتخابية لن تُستَن أبداً على الأرجح. فهو لن يبني جداراً جديداً "كبيراً جميلاً" على طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، ومن المؤكد أن المكسيك لن تدفع ثمن بنائه إذا فعل. وعلى نحو مماثل، لن يحظر ترامب دخول المهاجرين المسلمين، لأن هذا يعني انتهاك المبادئ الأميركية الأساسية، وسوف ترفض أي محكمة عليا مثل هذا الاقتراح حتى ولو كانت يمينية.
من غير المرجح أيضاً أن يسعى ترامب إلى تنفيذ اقتراحه بترحيل 6 ملايين إلى 11 مليون مهاجر غير شرعي. ولكنه ربما ينهي قانون أوباما المعلق بشأن برامج الوافدين في سن الطفولة، والذي يقضي بمنح تصاريح عمل مؤقتة للعديد من "الحالمين" (الشباب الذين يفتقرون إلى أي وضع قانوني والذين نشأوا في الولايات المتحدة).
على نحو مماثل، قد لا يمزق ترامب فعلياً اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، وقد لا يرفع الرسوم الجمركية بشكل كبير. ولن يلغي منظمة حلف شمال الأطلسي، أو غير ذلك من التحالفات المهمة، أو اتفاقية جنيف (التي تجيز للمؤسسة العسكرية ووكالة الاستخبارات المركزية استخدام التعذيب). وعلى الرغم من أن ترامب بدا خلال الحملة الانتخابية وكأنه يقترح القيام بكل هذه الأمور، فإنه سوف يواجه حتماً عواقب بعيدة المدى للقرارات التي قد تدمر النظام العالمي.
توشك الولايات المتحدة أن تشهد تجربة الحياة في ظل حكومة جمهورية بالكامل يقودها ملياردير شعبوي زئبقي. ولا نملك إلا أن نأمل في أن ينجح الناخبون بتحميل إدارة ترامب وداعميها في الكونغرس المسؤولية عن الانتكاسات التي سيعاني منها الأميركيون.
*أستاذ في كلية كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد، كان عضواً سابقاً في مجلس الرئيس بيل كلينتون للمستشارين الاقتصاديين. يدير برنامج في التمويل الدولي والاقتصاد الكلي في المكتب الوطني الأميركي للبحوث الاقتصادية، حيث هو عضو في لجنة تأريخ دورة الأعمال التجارية، الحكَم الأميركي الرسمي للركود والانتعاش.
*خاص بـ_، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق