انتخابات الرئاسة الأميركية: خسارة كلينتون رغم فوزها بالتصويت الوطني الشعبي!

تم نشره في الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً

لهب عطا عبدالوهاب*

جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية التي أجريت يوم 8 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي مخالفة، بشكل كبير، لأغلب استطلاعات الرأي العام، والتي كانت تُجمع على أن هيلاري كلينتون هي المرشحة الأوفر حظاً لأن تصبح الرئيسة المقبلة، من دون منازع. وقد ذهبت مجلة "نيوزويك" المعروفة أبعد من ذلك؛ إذ وضعت صورة كلينتون على غلافها الرئيس قبل إعلان النتائج الرسمية، تحت عنوان "مرحباً بمدام كليتنون رئيسة للجمهورية". ثم اضطرت المجلة، لاحقاً، إلى سحب عددها من التداول.
وجاء فوز دونالد ترامب المدوي ليقلب التوقعات رأسا على عقب. والانتخابات الأميركية -بخلاف الانتخابات في الديمقراطيات الغربية العريقة- لها خصوصيتها، منها:
1. أن الفوز بالأصوات الوطنية الشعبية (Popular Vote) لا يكفي وحده للفوز بمنصب الرئاسة، وهو ما حصل فعلا. إذ بالرغم من فوز كلينتون بـ62.5 مليون صوت، مقابل 61.2 مليون صوت للمرشح ترامب، أي بفارق يزيد على 1.3 مليون صوت (وقد زاد الفارق ليتجاوز مليوني صوت بعد الانتهاء من إحصاء الأصوات الانتخابية)، فإنها خسرت الانتخابات. وقد تكرر المشهد ذاته في الانتخابات الرئاسية العام 2000؛ إذ بالرغم من فوز آل غور بأغلبية الأصوات الشعبية، وبفارق يزيد على النصف مليون عن منافسه الجمهوري جورج بوش الابن، فإن غور خسر الانتخابات أسوة بكلينتون!
2. للفوز بالانتخابات الرئاسية الأميركية، يتوجب على المرشح الفوز بما يعرف بـ"المندوبين" (Delegates) في "المجمع الانتخابي" (Electoral College)، والذين يتوزع عددهم على الولايات الخمسين، بحسب الكثافة السكانية لكل ولاية، ويبلغ عددهم الاجمالي 538 مندوباً. وبالتالي، فإن المرشح كي يصبح رئيسا في الولايات المتحدة عليه الفوز بالأغلبية البسيطة من أصوات المندوبين (50 % + 1)،أي ما يعادل 270 صوتاً.
3. وفقا لهذا النظام (المجمع الانتخابي)، فاز ترامب بالرئاسة بعد أن حصد أصوات 290 مندوباً، مقابل 232 مندوبا لكلينتون. وليصبح ترامب بمقتضى ذلك الرئيس الـ45 للولايات المتحدة الأميركية، رغم خسارته على الصعيد الوطني الشعبي! وهذه مفارقة يجدر التوقف عندها.
4. نظراً لتكرر هذه الحالة "الشاذة" و"غير الديمقراطية" حسب رأي فقهاء في القانون الدستوري، تتجه النية لدى الكونغرس الأميركي (الذي يهيمن الحزب الجمهوري على مجلسيه؛ النواب والشيوخ) إلى إعادة النظر بالنظام الانتخابي القائم. وهو النظام الذي وضع لبناته الأولى الآباء المؤسسون (The Founding Fathers) للجمهورية الأميركية؛ جورج واشنطن، وتوماس جفرسون، وجيمس ماديسون، وألكسندر هاملتون، في مطلع القرن التاسع عشر، وأثبت نجاعته في حينها.
5. بروز ما يعرف بـ"ظاهرة برادلي" (The Bradely Effect)، نسبة إلى عمدة مدينة لوس أنجلوس السابق توم بردالي، والذي رشح لخوض الانتخابات حاكماً لولاية كاليفورنيا العام 1982. إذ كانت استطلاعات الرأي تشير بشكل قاطع إلى أن الناخبين البيض سيصوتون لصالح برادلي من الحزب الديمقراطي ذي الأصول الأفريقية، إلا أن نتائج الانتخابات خيبت آماله؛ بفوز خصمه الجمهوري.
فقد كتم كثير من الناخبين البيض نواياهم الانتخابية الحقيقية عند سؤالهم من قبل مؤسسات استطلاع الرأي، خشية "الحرج" من أنهم سيصوتون لترامب، لا سيما بعد الفضائح الأخلاقية التي لازمته أثناء حملته الانتخابية. وهو ما يفسر فشل أغلبية وسائل الإعلام في التنبؤ بالنتيجة. إذ عندما أزفت الساعة، ووجد الناخب نفسه وحده وجها لوجه مع ورقة الاقتراع، باح بمشاعره الحقيقية مصوتا لترامب!
6. الاستقطاب الواضح الذي خلفته الانتخابات الأميركية داخل المجتمع، مع هيمنة خطاب الكراهية والعنصرية ضد الأقليات المهاجرة؛ فقد صوت البيض من ذوي الياقات الزرقاء (الطبقة العاملة) بكثافة في الأرياف لصالح المرشح ترامب، بعد أن ضاقوا ذرعاً بإدارة أوباما. إذ لم تشهد هذه الطبقة أي زيادة تذكر في رواتبها. وتشير الاستطلاعات إلى أن البيض الذين لا يحملون شهادات جامعية صوتوا زرافات ووحدانا في المناطق الريفية والوسط الأميركي (Mid-West) بكثافة لصالح ترامب، بالإضافة إلى 42 % من النساء (رغم اتهامه من قبل خصومه بالتحرش الجنسي). كما صوت له 20 % من الأقليات ذوي الأصول اللاتينية (Hispanic). في المقابل، خاب ظن كلينتون بالأقليات من الأصول اللاتينية والآفرو-أميركية، إذ جاءت نسبة تصويتهم أقل بكثير من الأصوات التي حصل عليها الرئيس أوباما.
7. جاء وقع فوز ترامب بمثابة "عاصفة تسونامي"؛ إذ تعامل معها العالم الخارجي، بشكل عام، بدرجة كبيرة من الريبة والتوجس. أما في الداخل الأميركي، فقد علت الاحتجاجات المناهضة لانتخابه. كما يسود التخوف لدى المراقبين من عودة الولايات المتحدة إلى "العزلة" (Isolationism) التي طبعت سياستها الخارجية قبل السابع من كانون الأول (ديسمبر) 1941؛ أي قبل هجوم "بيرل هاربر"، وذلك إذا ما أُخدت تصريحات ترامب الانتخابية محمل الجد، ومنها الخروج من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية المعروفة بـ"نافاتا" (NAFTA)، والتي تضم في عضويتها كذلك كندا والمكسيك. ناهيك عن مطالبته الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي "ناتو" بتحمل الأعباء والنفقات المالية للوجود الأميركي في قواعد عسكرية على الأراضي الأوروبية المترامية الأطراف. كما جاء خطابه الانتخابي متشددا تجاه المهاجرين غير الشرعيين من المكسيك المجاورة (بناء جدار عازل للحد من تسللهم عبر الحدود)، ودعوته كذلك إلى منع المسلمين من دخول الأراضي الأميركية، وإن بشكل مؤقت.
بيد أن خطاب الرئيس المنتخب ترامب جاء مغايراً تماما لحملاته الانتخابية؛ إذ بدا أكثر عقلانية من خطاباته "الهوجاء". علماً أن الرئيس المنتخب ترامب أعلن صراحة أنه سيتخلى عن راتبه الرئاسي السنوي البالغ 400 ألف دولار، لكنه مضطر "قانونيا" أن يتقاضى راتباً شهريا، فقرر أن يكون دولاراً واحدا فقط!
8. يعد ترامب أول رئيس أميركي يأتي من خارج مؤسسة الحكم (Establishment)؛ فهو ملياردير العقارات، ولم يسبق له تبوؤ أي منصب حكومي. وعليه، سيقع على طاقمه الرئاسي والوزاري دور كبير في توجيه دفة السياسة الأميركية، بشقيها الداخلي والخارجي.
9. من المفارقات التي تناقلتها وسائل الإعلام موخراً، إعلان ترامب نيته التوصل لاتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين. ويأتي ذلك بعد أن كان اقترح خلال حملته الانتخابية الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ما أثار حفيظة الفلسطينيين. كما أعلن الرئيس المنتخب، في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، "انفتاحه" بشأن اتفاق باريس حول التغير المناخي (COP 21)، بعد أن كان توعد "بإلغاء" الاتفاق الذي تبنته 195 دولة نهاية العام 2015 خلال قمة باريس المناخية. ويذكر أن الاتفاق يهدف إلى احتواء ارتفاع درجة حرارة الأرض، بحيث يبقى دون درجتين مئويتين.
10. أخيرا، فإن سياسة دونالد ترامب المعلنة في مجال الطاقة -والتي تميل إلى تعزيز إنتاج النفط والغاز الأميركيين، وحتى الفحم الحجري– قد تدفع الأسعار إلى مزيد من التراجع وفقا لمحللين. وتأتي هذه السياسة خلافاً لسياسة الرئيس باراك اوباما الذي شجع مصادر الطاقة المتجددة (طاقة الرياح والطاقة الشمسية). إذ توعد الرئيس الجمهوري المنتخب باستئناف استخراج الفحم، وتسهيل استعمال الزيت الصخري (Shale Oil) ومصادر الطاقة الأحفورية (Fossil Fuel) بشكل عام. ويؤيد الرئيس ترامب المضي قدماً في مشروع بناء انبوب (Keystone XL) بين كندا والولايات المتحدة، والذي أوقفه أوباما. كما وعد بإتاحة استغلال القسم الأكبر من الاراضي العامة على المستوى الفيدرالي، لا سيما في ولاية ألاسكا، وإلغاء القانون المتعلق بتلوث الهواء (خطة الطاقة النظيفة)، والهادف الى خفض حصة الفحم المستخدمة في إنتاج الكهرباء.
خلاصة القول؛ إن وجود الرئيس ترامب في المكتب البيضاوي بدءاً من 20 كانون الثاني (يناير) 2017، سيحمل في طياته خفايا كثيرة يصعب التكهن بها مسبقاً. وبانتظار مقبل الأيام الحبلى بالمفاجآت، سيحبس العالم أنفاسه، يشوبه الأمل أن تتمكن الإدارة الجمهورية الجديدة من لجم الإرهاب (وبالذات الإرهاب الداعشي الظلامي) الذي أضحى سمة عالمية تعاني منها غالبية الدول الصناعية والنامية، سواءً بسواء.

*اقتصادي عراقي متخصص في شؤون الطاقة

التعليق