المناهج والتعليم من خلال التفكير: تعلم ينسجم والاتجاهات الحديثة (1-3)

تم نشره في الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • الدكتور ذوقان عبيدات-(أرشيفية)

الدكتور ذوقان عبيدات

كثر الحديث عن ضرورة الانتقال من السرد والحفظ والتلقين الى تعليم يركز على التفكير والابداع، بل تحدانا كثيرون ان نقدم امثلة عملية على تعليم التفكير.
وكان أمام هذا التحدي مشكلتان؛ الاولى تتمثل في ان الموضوع اكاديمي يمتلئ بمصطلحات علمية غامضة حول التفكير ومفهومه وأشكاله وأسسه، وهذا لا يهم الجمهور بشكل عام، والمشكلة الثانية تتمثل في أن الصحافة اليومية ليست ميداناً لعرض أفكار ونقاشات حول موضوعات فنية خالصة.
وكان الحل ان نتجاوز المصطلحات الاكاديمية، وان نقدم امثلة عملية ونشاطات تفكير تمس اهتمام الخبير والمواطن العادي، والقارئ اليومي، والمعلم في مدرسته، والأهل مع اطفالهم، ولكي نثبت لكل هؤلاء ان بالإمكان الانتقال بمدارسنا وجامعاتنا من كتب وملازم يجب حفظها الى نشاطات وتدريبات نتمنى ممارستها، ومن استراتيجيات تلقين الى استراتجيات تفكير، ومن مناهج معتقة جامدة الى سندويشات ساخنة، ومن تدريب بائس ما زالت تمارسه اكاديمات التدريب ومراكزه الى تدريب يرتبط بالممارسة والوعي.
ومن المهم في البداية ان نبدي الملاحظات الآتية:
1 - إن طلابنا وطالباتنا ليسوا معجبين بما يتلقونه من معارف، ولا بأدوار معلميهم، ولا بطريقة تعليمهم وتعلمهم، ولا ببيئة التعليم.
فالدروس والشروحات والواجبات والامتحانات على الرغم انها من مفاهيم الماضي الا انها ما زالت اعباء غير مقبولة عند الطلاب ولا عند اهاليهم.
2 - وحتى معلمينا او معلمونا لم يعودوا مقتنعين بممارساتهم في حفظ المادة اولاً من اجل نقلها الى طلابهم، وكأنهم وسائل نقل او توصيل لبضاعة، كان يعتقد أنها مقدسة وهي ليست كذلك. فالكل من اطراف العملية التربوية ضاق ذرعاً بالواقع، وأبدى حالة من عدم الرضا عنه، بما يسهل مهمة تجاوزه وتغييره.
3 - ان الاتجاهات الحديثة المتمثلة بـ:
 - التعلم الذاتي.
 - التعلم النشط.
 - معلم الدقائق الخمس.
 - مجتمعات التعلم.
 - مدارس دون رسوب.
 - طلاب ناجحون كلهم وربما مبدعون.
 - تعليم التفكير الناقد والتفكير الابداعي.
تفرض علينا حالة من الوعي بأهمية الحديث عن تعلم جديد ينسجم مع هذه الاتجاهات.
4 - ان التعليم القائم على الحفظ، يهمش جميع الطلاب الذين لا ينسجمون مع بعض عناصر المنهج او استراتيجيات المعلم، او قيود المدرسة، وهؤلاء هم غالبية الطلاب والطالبات، فيؤدي الى تقسيم الطلاب حسب المنحنى التكراري البائس والقديم وغير الصحيح الى طلبة:
 - أذكياء ومتوسطين واغبياء.
 - متفوقين وغير متفوقين.
 - جادين ومهملين.
 - وتقسيمات أخرى قد تمس اصولهم الاجتماعية والثقافية والعقلية ربما.
وهذه تقسيمات يجب أن لا توجد في اي بيئة تعليمية، فالبيئة التعليمية الغنية ملزمة بحفز طلابها وإتاحة فرص التعلم الكامل لهم .
5 - ان الطلاب والطالبات يتوزعون ذكائياً بين مختلف اشكال الذكاء، فلم يعد هناك اذكياء واغبياء!! بل طلاب اذكياء رقمياً أو لغوياً او موسيقياً او حركياً او اجتماعياً او تأملياً او بصرياً او بيئياً.
ومن الجدير بالذكر أن لكل من هؤلاء الطلاب مناهج وطرق تدريس وأنشطة تلائم ذكائهم. وان التعلم الحالي لا يخدم سوى فئة الطلبة الاذكياء لغوياً بالدرجة الاولى، وقد يعيق جميع الذكاءات الاخرى.
وبذلك يمكن الحكم بأن الطلبة من ذوي الذكاء اللغوي يتفوقون دائماً  - لا بسبب ذكائهم - بل لان مناهجنا وطرق تدريسنا ونشاطاتنا وواجباتنا وامتحاناتنا تركز على اللغة والشرح والتفسير والكلام والحديث والكتابة والاستماع.
إذن طلابنا  - المتفوقون  - ليسوا كذلك، وغير المتفوقين ليسوا كذلك، بل تصادف ان استراتيجياتنا ومناهجنا ناسبت بعضهم فتفوق، وأزعجت معظمهم فواجهوا المشكلات.
ولو كان تعليمنا بصرياً مثلاً لتفوق ذوو الذكاء البصري. ولو كان تعليمنا حركياً لتفوق ذوو الذكاء الحركي. ولو كان تعليمنا ايقاعياً لتفوق ذوو الذكاء الموسيقي وهكذا..
فالمشكلة فينا، وليست في طلابنا.
6 - ولا يتبادر للذهن ان المطلوب وضع مناهج وأنشطة وكتب مدرسية لكل نوع من الذكاء، وهذا مستحيل.
ولكن ما هو غير مقبول اطلاقاً ان تبقى المناهج والكتب موجهة نحو الذكاء اللفظي  - اللغوي، دون سائر الذكاءات.
لكن ما يمكن عمله اولاً:
وقف جميع التحيزات لصالح الطلاب اللفظيين، وانصاف جميع الطلاب من مختلف الذكاءات.
وسنقدم مقالاً عملياً لمنهج أو وحدة دراسية تخاطب جميع الذكاءات.
7 - إذن في المناهج التقليدية، يتفوق طلاب، ويتراجع كثيرون لكن في مناهج التفكير يتقدم جميع الطلاب، لانهم في الحالة الثانية استخدموا تفكيرهم، فتفوقوا. وفي الحالة الاولى  -المناهج التقليدية - استخدموا قدراتهم اللغوية الضعيفة فلم يحفظوا ولن ينجح غير الحفاظ!!
نحن مطالبون إذن:
بإنقاذ طلابنا من التخلف التربوي الذي أرغمهم على التأخر الدراسي وإنصاف طلابنا ليتفوقوا جميعاً.
في تعليم التفكير، ليس هناك ناجح او فاشل، فالجميع متقاربون جداً والتفاوت بينهم قليل.
8 - والنشاطات الفنية والمسرحية هي من ادوات تعليم التفكير والقيم والاتجاهات، ولعلني اذكر مسرحية حديثة قدمتها مدارس عمان الوطنية، والتي ابدع فيها طلاب وطالبات لم يشتهروا بتفوقهم الدراسي، بل ان بعضهم ابدع وهو من طلاب الصف ذي التعلم البطيء.
اتجاهات في تعليم التفكير
بعيداً عن المصطلحات والقيود العلمية المصطنعة من النظام الاكاديمي، لن نهتم بتعريف التفكير واشكاله، وعلاقته بالدماغ ولا بأجزاء الدماغ، ولا بتعريف الاستدلال والقياس والاستنتاج والتنبؤ والتحليل، بعيداً عن كل ذلك، سنعرض ابرز الاتجاهات في تعليم التفكير، ثم ننطلق الى المهارات العملية في التفكير وصولاً الى مناهج ودروس عملية في تعليم التفكير.
نعم هناك اشكال في تعليم التفكير هي:
1 - التعليم عن التفكير (Teaching About Thinking): في هذا الاتجاه يحوى المنهج المدرسي وحدات دراسية تتعلق بمفاهيم التفكير ومصادره وأسسه وانواعه.. الخ، وهذا التوجه يعني اضافة عبء جديد  - غير مفيد  - على الطالب والمعلم من خلال موضوع جامد، لا علاقة له بعمليات التفكير، حيث سيمتحن الطالب في سؤال:  - عدد انواع التفكير او مصادر التفكير؟ او ما علاقة التفكير بكل من الحواس والدماغ؟
ويصير التفكير في هذه الحالة موضوعاً مثل الطاقة والعولمة وتحديات المرور.. الخ.
2 - التعليم بالتفكير ( Learing ,Teaching By Thikiing ):
وهذا يعني ان التفكير هو وسيلة من وسائل التعلم، وان على الطالب أن يعمل ويضع فرضيات ويجري تجارب، ويتأمل ويلاحظ ويحلل ويقارن للوصول الى معرفة جديدة او حفظ وتأكيد معرفة قديمة.
مثال: على الطالب ان يفكر في حياة العرب قبل الاسلام، وينقب ويبحث ليكتشف معلومات ومعارف.
فالتفكير هنا مقابل للتلقين، ولكن كلاهما يهدف الى الوصول الى المعارف والمعلومات، باختلاف الوسائل.
والطلبة هنا يقومون بالبحث والنشاط الذاتي والاكتشاف، وربما الابداع للوصول الى المعارف دون تلقين.
3 - التفكير من خلال التعليم والتعلم (Thiking By Learning): هنا يكون التفكير هو الهدف، حيث تستخدم معارف ومواد دراسية، لا بذاتها او لذاتها، بل لتساعدنا في الوصول الى الهدف وهو التفكير، فالمنتج الرئيس هنا هو طالب مفكر ناقد، بينما المنتج الرئيس في نموذج رقم 2 (اعلاه) هو طالب وصل للمعرفة من خلال البحث والتفكير.
فإذا كان التعلم بالتفكير يقودنا الى امتلاك المعرفة وتذويت المعرفة  - اي ان المعرفة صارت جزءاً من خبراتنا وشخصيتنا - فإن التفكير من خلال التعلم يقودنا الى امتلاك ادوات المعرفة، مثل الملاحظة والمقارنة والتحليل والشك وفحص الفروض وتقييم الادلة.
إذن نحن أمام اتجاهات أربعة هي:
الاول: التعليم دون تفكير، وهذا شائع في جامعاتنا ومدارسنا، حيث يحفظ الطالب معلومات سهلة العطب والنسيان.
الثاني: تعليم التفكير كمادة مستقلة، وهذا اتجاه مماثل للاتجاه السابق، اي ان الطالب يحفظ معلومات عن التفكير.
الثالث: التعلم بالتفكير، وهذا اتجاه ينتج طالباً مكتشفاً حصل على معارفه بالبحث والتأمل والاكتشاف.
الرابع: التفكير من خلال التعلم، وهذا اتجاه ينتج طالباً قادراً على مواجهة مشكلاته المستقبلية بوعي وأصالة، فهو طالب مفكر امتلك مهارات التفكير وحل المشكلات واتخاذ القرارات.
وستكون سلسلة المقالات القادمة تطبيقاً للاتجاه الثالث والرابع.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحديث في المتاهج (د فيصل مرار)

    الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    كما عودتنا اخي ذوقان كلما أتحفتنا اكثر بمقالاتك كلما زاد إعجابنا بما تكتب ، لا ادري ما أقول عن الذين ابعدوك عن سلك التربيه والتعليم انت تستحق ان تكون على ارفع لجنه تخطط للتعليم في هذا البلد لكن يكفيك فخرا ان تكون افكارك منارا للاجيال القادمة والزمن كفيل بتحقيق ذلك
  • »رائع (نبيل)

    الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    اين وزارة التربية والتعليم من هكذا استراتيجيات ؟؟؟ الله يقويك دكتور