مستقبل الشرق الأوسط في ظل حكم ترامب وتيلرسون

تم نشره في الخميس 15 كانون الأول / ديسمبر 2016. 09:37 صباحاً
  • ترامب وتيلرسون

واشنطن- هل يستطيع الرئيس المنتخب دونالد ترامب تبني سياسات تتجاوب مع الواقع الحالي في الشرق الأوسط، بالرغم من عدم معرفته بالمنطقة وغياب الاندماج العميق في القضايا العالمية واستخدام لغة تحريضية ضد المسلمين؟.

ما يزال الوقت مبكرًا جدًا للرد على هذا السؤال بشكل مؤكد، لكن اختيار ترامب لريكس تيلرسون ليكون وزيرًا للخارجية يثير مخاوف بشأن التقارب المحتمل بين إدارة ترامب وروسيا، في حين يجعل أولويات السياسة الخارجية الأميركية المحتملة غير واضحة. ومع ذلك، يمكن تصور أن بعض مواقف ترامب في الحملة الانتخابية والقبول الذي يحظى به لدى من صوتوا له قد يساعده على الاستجابة للقضايا التي تواجه الشرق الأوسط حاليًا. وهذا صحيح بوجه خاص إذا كان سيبني سياسات تتحاشى الإسلاموفوبيا والنزعة العسكرية الأميركية.

وكأستاذ ذي خبرة واسعة في القانون والسياسات الشرق أوسطية المعاصرة، وكوني كنت من بين أولئك الذين تنبأوا بصعود التطرف الإسلامي وعدم الاستقرار بعد إطاحة الولايات المتحدة بالنظام العراقي، فإنني في موقع يمكنني من تحليل الوقائع التي تواجه إدارة ترامب.

أولًا وقبل كل شيء، إن تجاهل الشرق الأوسط ليس خيارًا مطروحًا. فالأزمات الإنسانية – في سورية على سبيل المثال – والاستياء الشعبي الإقليمي من الأحوال السياسية والاقتصادية سيؤثران لا محالة على أمن أميركا بالداخل والخارج. ولهذا السبب فمن المهم تصور الكيفية التي تستطيع من خلالها الحكومة الأميركية الجديدة استغلال افتقار ترامب للخبرة في أولويات السياسة الخارجية للسعي إلى سياسات من شأنها مساعدة الأميركيين وشعوب الشرق الأوسط.

المواقف المعادية للإسلام ليست مثمرة

وأدت الانتفاضات الشعبية في العام 2011 ضد الحكومات القسرية، التي لم تكن تحظى بشعبية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى تجدد الاستبداد والحروب الأهلية المدمرة. ونتيجة لهذا، فقد تخلى كثير من مواطني الشرق الأوسط وقادته عن آمالهم في التحول الديمقراطي. فهم يخافون من انتشار العنف والفوضى اللذين أهلكا سورية واليمن إلى بلادهم. لكن المنطقة بها جيل من الشباب يهتم بفرص اقتصادية أفضل وحرية أكبر.

المسلمون أغلبية كبيرة بالمنطقة. وكمرشح، كان أوضح مواقف ترامب فيما يتعلق بالشرق الأوسط هو استعداده لجذب عدم ثقة الأميركيين في المسلمين. ويحذر أولئك الذين لهم خبرة بالتطرف شرق الأوسطي من أن النظر إلى المنطقة من خلال الإسلاموفوبيا لن يؤدي إلى أي خير.

وحتى الذوق العام التي يبدو أن ترامب وتيلرسون يتشاركانه، يوحي بأن التصريحات المعادية من جانب قائد عالمي تجاه دين الأغلبية في المنطقة مدمرة. فبالتأكيد، كان دعاة التنظيمات المسلحة مبتهجين في توقعاتهم بأن تصريحات الزعيم الأميركي الجديد المعادية للإسلام ستزيد من تجنيدهم لعناصر جديدة.

يجب على الرئيس المنتخب ترامب، التراجع عن لغته التحريضية التي تسيء للمسلمين بشكل عام لصالح إدراك واضح للمخاوف الإقليمية. إن فعل هذا يمكن تخيله إذا كان يستطيع البناء على جوانب من المواقف الأخرى التي اتخذها خلال الحملة. وأهم هذه المواقف هو رأيه عن أن الولايات المتحدة متورطة أكثر من اللازم في التحالفات والسياسات العالمية وإصراره على تدمير تنظيم داعش وقلقه من امتداد الأزمة السورية إلى داخل الولايات المتحدة وعدم ثقته في إيران.

* لنتناول كل موقف على حدة

تورط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط

مثل ترامب، بعض أنظمة الشرق الأوسط، نتيجة للقلق من هيمنة الإمبريالية الغربية الزائدة والتدخل الأميركي، قد تفضل تدخلا أقل للولايات المتحدة في المنطقة.

ويدرك آخرون أن تقليل التدخل الأميركي يهدد بزيادة نفوذ الزعماء الاستبداديين مثل الأسد أو تقليل النفوذ الأميركي العالمي. وقد يعني هذا أيضا أنه لن يكون هناك تقدم، أو الأسوأ، بالنسبة للفلسطينيين الذين يعانون منذ وقت طويل.

لكن التدخل الأميركي الأضعف من جانب واحد في القضايا الإقليمية قد يتجنب كوارث بعيدة المدى مثل العراق. فهو قد يمنع الجهود غير المتناسقة وغير الصادقة لتعزيز الأولويات الأميركية في المنطقة من جعل بعض الأزمات أسوأ. وقد فعلت ذلك تونس، الدولة العربية التي قامت بتحول ديمقراطي بعد الانتفاضة الشعبية في العام 2011، دون أن تصبح أولوية إقليمية كبرى بالنسبة للولايات المتحدة.

هزيمة تنظيم داعش، ولكن ماذا بعد؟

معظم دول المنطقة لا ترغب في وجود تنظيم داعش. وتعاونت اقتصاديا أو لوجيستيا أو عسكريا في جهود تدمير التنظيم الذي ينجح على أرض المعركة. ولكن، كما كان صحيحا مع الإطاحة بنظام صدام حسين في العام 2003، فإن الجهود العسكرية التي تدعمها الولايات المتحدة للإطاحة بكيان سياسي هي مجرد خطوة أولى. وفهم إعادة البناء الذي يجب أن يلي ذلك مهم جدا.

إن عدم قدرة الحكومة العراقية على السيطرة على أجزاء من أراضيها وعلاقاتها مع إيران وتوقعات بعض المجموعات العرقية ذات الحكم الذاتي هي المشكلات التي لا تستطيع أي قوة عظمى تجاهلها. وتجاهلها قد يؤسس لكيانات مستقبلية مماثلة لتنظيم داعش.

امتداد الأزمة السورية

النقطة الثالثة التي أكدها ترامب، خلال حملته الانتخابية، كانت الخوف من أن امتداد الأزمة السورية قد يقود اللاجئين إلى الولايات المتحدة ما يمثل تهديدًا أمنيًا بالنسبة لها.

وهذه المخاوف لا أساس لها. فقد قبلت الولايات المتحدة عددًا قليلًا فقط من اللاجئين السوريين. فوزارة الأمن الداخلي لديها عملية صارمة لقبول اللاجئين. والأكثر من ذلك أن اللاجئين تاريخيا أسهموا بشكل كبير في المجتمع الأميركي. ومن الناحية العملية فإن الأشخاص الهاربين من تنظيمات مثل تنظيم داعش قد تساعد في الجهود الأميركية لمحاربة التنظيمات وفكرهم العنيف.

ومع ذلك فمن الصعب تخيل فتح ترامب للحدود أمام اللاجئين السوريين. لكن الأزمة الإنسانية السورية لن تتلاشى ببساطة؛ لأن ترامب قد يفضل تجاهلها. فقد أدى رد الفعل العالمي المحدود إلى تفاقم الأزمة السورية.

وبالنسبة لتنظيم داعش، فسيكون تهورًا إذا أدارت الإدارة الجديدة ظهرها للمخاطر الواسعة التي يمثلها انهيار سورية. فأوروبا وتركيا تقومان بإبعاد الأشخاص الهاربين من العنف في سورية واليمن. وإحدى السياسات التي قد تتسق مع عدم استعداد ترامب لزيادة عدد اللاجئين المتواجدين على داخل أميركا هو تقديم خدمات أكثر اتساقا لما بعد الصراع، وقد تشمل التدريب المهني وفرص العمل لملايين المدنيين السوريين في الأردن ولبنان وتركيا.

وتشير الأبحاث التي تتنازل التطرف، أن تجنيد العناصر الجديدة بالتنظيمات يدفعه مشكلات تتعلق بالهوية والحرمان والإقصاء الاجتماعى، وليس المعتقدات الدينية والفكرية.

وماذا عن إيران؟

ووعد ترامب أيضًا بإعادة المفاوضات حول الاتفاق متعدد الأطراف الذي أوقف تحرك إيران نحو امتلاك أسلحة نووية.. وعبرت دول الخليج عدة مرات عن قلقها بشأن النفوذ الإيراني.. فهي ترى في إيران تهديدًا لحكمها الذاتي وللأغلبية السنية المسلمة التي تختلف عن الأقلية الشيعية التي تعتبر في القلب من الفكر السياسي الإيراني.

وفي حين ترحب بعض دول الشرق الأوسط بالموقف الأميركي المتشدد الجديد تجاه إيران، إلا أن عوامل أخرى قد تسترعى انتباه إدارة ترامب أكثر بقليل من الضغط الرمزي ضد الاتفاق. وهذه تشمل فرص الشركات الأميركية للتجارة في إيران؛ والنفط الإيراني، الذي أظهرت شركة تيلرسون اهتماما به، والعلاقات الروسية الجيدة مع إيران، ومخاطر امتلاك إيران للسلاح النووي.

وعلى أي حال، لن تستطيع الولايات المتحدة تجاهل الدور الإيراني كأحد الأطراف الفاعلة في السياسات الإقليمية. هذا الدور يضايق إسرائيل وبعض الدول العربية السنية، وبخاصة السعودية.

الصورة الأكبر

ربما كانت الرسالة الرئيسية للمرشح ترامب هي أن الحكومة فشلت في خدمة كثير من الناس. ويشعر كثيرون من سكان الشرق الأوسط بهذا الشعور بالضبط تجاه أنظمتهم السياسية.

وربما كانت عبارة “جففوا المستنقع” هي الشعار الفائز خلال انتفاضات الشرق الأوسط، باستثناء عدم تطابقها الجغرافي حيث تقع في منطقة صحراوية. يجب على ترامب أن يفهم الغضب العارم الذي يحمله سكان الشرق الأوسط تجاه زعمائهم وتوقعاتهم الاقتصادية.

وإذا عمل الزعيم الأميركي الجديد مع مرشحه لوزارة الخارجية البراغماتي المؤيد للاتفاق الإيراني، وأبدى استعدادا للإنصات إلى الإحباطات التي يتشاركها سكان الشرق الأوسط مع أنصاره، فإنه قد يطبق انتماءاته للعمل والبناء على السياسة والمشروعات التي يمكنها معالجة المظالم الاجتماعية والسياسية في المنطقة.

وهذا يعني تركيز السياسة الخارجية الأميركية على المصالح المشتركة بين الأميركيين العاديين والشرق أوسطيين.-(بيزنس إنسايدر – التقرير)

التعليق