"ثورة التنانير" ومستقبل إسرائيل

تم نشره في السبت 17 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:04 صباحاً


شهد الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) في الأيام القليلة الماضية، حادثة ذات دلالات كبيرة بشأن مستقبل إسرائيل؛ على صعيد الصدام الداخلي الحتمي بين الجمهورين الديني والعلماني. فقد منع حرس الكنيست دخول موظفة بسبب قصر تنورتها، ما حوّل الأمر الى حركة احتجاج من عشرات الموظفات. وقد يكون الأمر طبيعيا في المجتمعات المحافظة، وأيضا في المؤسسات الرسمية في دول العالم التي لديها معايير للظهور باللباس الرسمي. إلا أنه في الحالة الإسرائيلية فيه مؤشر لما هو أكبر بكثير من هذه الحادثة التي أخذت حيزا في وسائل الإعلام لعدة أيام.
لا يوجد في الكنيست معايير للباس أعضاء الكنيست والموظفين. وقبل نحو عشر سنوات، حاولت رئاسة الكنيست منع دخول الموظفين بسراويل الجينز، وكانت توجهات للنواب للرفع من مستوى لباسهم، خاصة وأنه في برلمانات عديدة في العالم هناك تقييدات مشددة لشكل زي النواب والموظفين. لكن لم يصمد الأمر طويلا. وفي الأيام الأخيرة، فوجئت مستشارة برلمانية بمنع دخولها إلى مبنى البرلمان، بادعاء أن تنورتها أقصر مما تم تحديده في التعليمات الجديدة الصادرة.
وسرعان ما تحوّل الأمر الى ضجة في أروقة الكنيست وفي وسائل الإعلام. وبعد يومين، وصلت إلى المبنى أكثر من 25 مستشارة، من مختلف الكتل البرلمانية، يلبسن تنانير تُعد قصيرة. وحاول الحرس منع دخولهن، ليتحول الأمر إلى تظاهرة بدعم من نائبات ونواب، ما اضطر رئاسة الكنيست للسماح بدخولهن، والإعلان عن إعادة النظر بمعايير اللباس.
وفي الصور التي انتشرت في وسائل الإعلام، لم يكن هناك ما يقنع الشارع الإسرائيلي بمصداقية منع الشابات من دخول المبنى. وكان الانطباع السائد أن هذه التعليمات الجديدة، التي فوجئ بها العاملون في الكنيست، فُرضت بضغط المتدينين على إدارة الكنيست. وسرعان ما فتحت القضية من جديد الجدل الديني العلماني. وفي خلفيته، سعي الجمهور المتدين إلى دفع المجتمع نحو المزيد من الأنظمة والقوانين المتعلقة بالشرائع الدينية اليهودية المتزمتة.
تسعى إسرائيل منذ حوالي سبعة عقود، إلى منع تفجّر الصدام الديني العلماني. إلا أنه في السنوات الأخيرة، بات واضحا لإسرائيل والصهيونية، أن هذا الصدام لم يعد من مفر منه، خاصة أن جمهور المتدينين على مختلف تياراتهم، يتمدد بسرعة هائلة في مؤسسات الحكم، وأيضا في المؤسسة العسكرية والأمنية، ويسعى إلى فرض أنظمته الدينية على المجتمع.
وفي اليهودية الإسرائيلية تياران دينيان مركزيان؛ الأول، المتزمت المتشدد الذي يسمى "حريديم". والثاني، هو "التيار الديني الصهيوني"، أو حسب التسمية الأخرى "التيار الديني القومي". وهذا الأخير من المفترض أنه أقل تشددا دينيا، إلا أنه في العقدين الأخيرين، بات يطغى عليه التطرف الديني، بموازاة تطرفه السياسي المتصاعد. وهذا الجمهور هو المسيطر على المستوطنين في الضفة والقدس المحتلة.
ويتميز هذان الجمهوران المتدينان بنسبة تكاثر تعد من الأعلى عالميا، وقد تكون الأعلى، إذا أضفنا لها معدل الأعمار المرتفع جدا. وكان بحث أكاديمي في جامعة حيفا صدر قبل سنوات قليلة، واستعرضناه أكثر من مرّة هنا، أشار إلى أن هذين الجمهورين سيشكلان بعد 15 عاما من الآن، أكثر من 50 % من إجمالي السكان، ما يعني 65 % من اليهود وحدهم. والقلق الأكبر هو من جمهور المتزمتين، نظرا لطبيعة حياتهم التقشفية، وشرائعهم التي لا تتلاءم مع طبيعة المجتمعات المتطورة.
أشرف على ذلك البحث واحد من أشد العنصريين ضد العرب. وألمح إلى أن ما بات يقلق إسرائيل، هو تكاثر هذا الجمهور، أكثر من فلسطينيي 48، الذين نسبة تكاثرهم تتراجع باستمرار. ويتوقع البحث أن يواصل جمهور العلمانيين الانسحاب من البلدات والمدن التي ترتفع فيها نسبة المتدينين، ليستوطنوا في منطقة تل أبيب الكبرى، التي تشهد منذ الآن حالة تفجر سكاني. وحذر البحث من أن هذا سيرفع من مستوى جاهزية الهجرة من إسرائيل.
بعد ذلك البحث، صدرت عدة أبحاث ديموغرافية، بالإمكان القول إنها كلها دعمت في استنتاجاتها بحث جامعة حيفا. وهذا الأمر بات هاجس الجمهور العلماني الذي كان ذات يوم يشكل السواد الأعظم بين اليهود، ولم يتوقع أن يأتي يوم يتحول فيه إلى أقلية محاصرة. كما بالإمكان القول، إن الضجة الكبيرة التي نشبت حول قضية "التنانير" في الكنيست، كان في خلفيتها هذا القلق.

التعليق