إيطاليا على شفا الهاوية

تم نشره في الثلاثاء 20 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

فيليب ليجرين*

لندن ــ عدم الاستقرار السياسي في إيطاليا ليس بالأمر الجديد، ولكن رفض الناخبين الإيطاليين للإصلاحات الدستورية في استفتاء لم يؤد إلى استقالة رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي فحسب، بل ووجه أيضا ضربة أخرى للاتحاد الأوروبي المبتلى بالأزمات. ففي الأمد القريب، ربما تشتعل الأزمة المصرفية الجارية في إيطاليا مرة أخرى وتهدد الاستقرار الأوروبي، وفي الأمد البعيد، ربما تضطر إيطاليا إلى الانسحاب من منطقة اليورو، وهو ما من شأنه أن يعرض العملة الموحدة ذاتها للخطر.
كان من المتوقع على نطاق واسع أن يفوز الجانب "الرافض"، ولكن حجم الانتصار الذي حققه (59 % من الأصوات) كان صادما، ويُعَد إلى حد كبير انتصارا للقوى المناهضة للمؤسسة، وخاصة حركة النجوم الخمسة. تتصدر هذه الحركة التي يقودها الممثل الهزلي بيبي جريللو استطلاعات الرأي، وهي تدعو إلى عقد استفتاء على عضوية منطقة اليورو، وتطالب الآن بإجراء انتخابات عامة فورية.
الواقع أن أغلب المعلقين الإيطاليين قللوا من مدى تأثير الاستفتاء على بقية أوروبا، وهم يزعمون أن حكومة تسيير أعمال جديدة، ربما بقيادة وزير المالية التكنوقراطي بيير كارلو بادوان، قادرة على إصلاح القوانين الانتخابية على النحو الذي يمنع حركة النجوم الخمسة من الوصول إلى السلطة. وحتى إذا حصلت حركة النجوم الخمسة على أغلبية في مجلس النواب الإيطالي، فإنها لن تحصل على الأغلبية في مجلس الشيوخ، وبهذا لن تتمكن من تشكيل حكومة، ما لم تنقض تعهدها بعدم الانضمام إلى حكومة ائتلافية. ووفقا لهذا الزعم، سوف يكون من الصعب للغاية في كل الأحوال عقد استفتاء على عضوية منطقة اليورو، لأن هذا يتطلب تعديلا دستوريا.
كل هذا قد يكون صحيحا، ولكنه يُغفِل الصورة الكاملة، كان رينزي الأمل الأفضل وربما الأخير لدى مؤيدي مؤسسة الاتحاد الأوروبي، لتنفيذ الإصلاحات المعززة للنمو المطلوبة لتأمين مستقبل إيطاليا في منطقة اليورو في الأمد البعيد، بيد أن التخبط في ظل حكومة ضعيفة بقيادة التكنوقراط يرقى إلى انتظار وقوع حادث، فمع انحياز رابطة الشمال اليمينية المتطرفة وحركة فورزا إيطاليا بقيادة رئيس الوزراء السابق سيلفيو برلسكوني أيضا ضد اليورو، فمن المرجح أن تصل حكومة مناهضة لليورو إلى السلطة عند نقطة ما، ربما بعد الانتخابات العامة المقبلة، والتي يحين موعدها في عام 2018 (ولكن ربما تُعقَد في وقت مبكر في الربيع المقبل)، وإذا حدث ذلك فسوف يصبح التكهن بأي نتيجة مستحيلا.
تتلخص المشكلة المباشرة في البنوك الإيطالية الحية الميتة، التي تفتقر إلى التمويل الكافي، ولا تحقق أرباحا كافية، وتُثقِل كاهلها القروض الرديئة. تحتاج هذه البنوك إلى جمع رؤوس أموال جديدة، وهو ما أثبت صعوبته بالفعل قبل الاستفتاء، والآن ربما أصبح مستحيلا في ظل حالة متصاعدة من عدم اليقين السياسي.
وكما أشارت كارمن راينهارت، تفر رؤوس الأموال من إيطاليا الآن، وقد ظلت العائدات على السندات الحكومية، التي سجلت ارتفاعا حادا في الفترة السابقة للاستفتاء، ثابتة حتى الآن، ولكن إذا سجلت المزيد من الارتفاع فسوف يزداد موقف دفاتر الموازنات العامة الهشة لدى البنوك الإيطالية تدهورا. ولأن البنك المركزي الأوروبي اشترى بالفعل العديد من السندات الإيطالية من خلال برنامج التيسير الكمي، فلم يعد بوسعه أن يستمر في التدخل على هذا النحو بسهولة.
كان البنك الأكثر عُرضة للتهديد هو مونتي دي باتشي دي سينا، الذي يسعى الآن لجمع خمسة مليارات يورو (5.3 مليار دولار أميركي) في هيئة رأسمال جديد. وإذا فشل في تحقيق هذه الغاية، فمن المرجح أن تزوده الحكومة بأموال عامة لمنع الانهيار. وهذا بدوره يتطلب تكبيد صِغار حاملي سندات البنك الخسائر، ما لم تنتهك الحكومة قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن "المشاركة في خسائر" البنوك، وهذا من شأنه أن يقوض الاتحاد المصرفي الجديد في منطقة اليورو. وفي حين قد يتسنى تعويض صِغار المستثمرين الذين بيعت لهم السندات في غياب أي منطق سليم، فلن يتم تعويض كبار المستثمرين من ذوي النفوذ السياسي.
الواقع أن متاعب بنك مونتي دي باتشي دي سينا ربما كانت لتخلف تداعيات اقتصادية أوسع نطاقا. وقد يجد بنك إيطاليا الأكبر، يوني كريديت، وهو في وضع أفضل من بنك مونتي دي باتشي دي سينا، صعوبة بالغة في جمع أكثر من 10 مليار يورو. ولأن العديد من بنوك منطقة اليورو لا تزال ضعيفة، فقد تنتشر الأزمة.
وفي الأمد الأبعد، ربما تتعرض عضوية إيطاليا في منطقة اليورو للخطر. وما لم تستن إيطاليا إصلاحات جذرية لمعالجة نموها المتصلب، فمن الصعب أن نرى كيف قد يكون لها أي مستقبل في اتحاد نقدي مختل تهيمن عليه ألمانيا الانكماشية المؤيدة للمذهب التجاري البحت.
الواقع أن اقتصاد إيطاليا ليس أكبر اليوم مما كان عليه في عام 2000، كما سجلت حصتها في الصادرات العالمية انخفاضا شديدا. وبرغم الدَفعة التي يقدمها برنامج البنك المركزي الأوروبي للتيسير الكمي،  واليورو الضعيف، والسياسات المالية الأكثر تساهلا التي شهدناها في السنوات الأخيرة، يسجل الناتج معدل نمو لا يتجاوز 1% سنويا. وفضلا عن ذلك، ربما لا تتمكن إيطاليا إلا بالكاد من تثبيت استقرار دينها العام الذي يبلغ الآن 133 % من الناتج المحلي الإجمالي، حتى برغم أن عائدات السندات بلغت مستويات غير مسبوقة من الانخفاض. وبالتالي فإن الانكماش الاقتصادي أو ارتفاع أسعار الفائدة من شأنه أن يدفع الدين العام إلى الارتفاع إلى عنان السماء مرة أخرى، ومن غير الممكن أن تعتمد إيطاليا على مواصلة البنك المركزي الأوروبي شراء السندات إلى ما لا نهاية.
الواقع أن الوضع السياسي في إيطاليا الذي يتسم بشعور بالبؤس والاستياء المتزايد إزاء الاتحاد الأوروبي وألمانيا ليس أكثر استقرارا. فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب 37 %. وتظل القواعد المالية في منطقة اليورو تشكل مصدر إزعاج، ولم تفعل حكومات الاتحاد الأوروبي شيئا يُذكَر لمساعدة إيطاليا في التعامل مع أزمة اللاجئين.
كان الإيطاليون من أشد مؤيدي أوروبا حماسا، وكانوا يرون أن حكم الاتحاد الأوروبي أفضل من سوء الإدارة المحلية الفاسدة، ولكن مستويات تأييد اليورو، والاتحاد الأوروبي، والمؤسسة الداعمة للاتحاد الأوروبي في البلاد، تراجعت بشكل كبير.
إن مجرد احتمال انسحاب إيطاليا من الاتحاد الأوروبي، ـ وهو ما يستتبع إعادة تقييم سندات الحكومة الإيطالية التي تبلغ قيمتها الآن 2.2 تريليون يورو بالليرة المخفضة القيمة، من شأنه أن يشعل شرارة ذعر مالي. ومن الواضح فضلا عن ذلك أن إيطاليا أكبر من أن يتسنى إنقاذها، وأي حكومة مناهضة لليورو ربما تكون غير راغبة أو غير قادرة على الموافقة على شروط قرض من الاتحاد الأوروبي، وهو أمر ضروري بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي لكي يتسنى له احتواء حالة الذعر. من غير المعقول أيضا أن تعرض ألمانيا الدخول في اتحاد منطقة اليورو النقدي الذي يفرض عليها تجميع ديونها مع ديون إيطاليا.
بالإضافة إلى زيادة الطلب في منطقة اليورو، تحتاج إيطاليا بشدة إلى القيادة الجريئة لإعادة هيكلة بنوكها، وشطب الديون الشركاتية والأسرية المعدومة، وإصلاح اقتصاد إيطاليا، وتعزيز استثماراتها، وتنظيف سياستها، ومع هذا فمن المرجح أن تتخبط منطقة اليورو وإيطاليا في الوقت الحالي.

* فيليب ليجرين المستشار الاقتصادي الأسبق لرئيس المفوضية الأوروبية، وهو كبير زملاء زائر في المعهد الأوروبي التابع لكيلة لندن للاقتصاد، ومؤلف كتاب "الربيع الأوروبي: لماذا أصبح اقتصادنا وسياستنا في فوضى ــ وكيف يمكن تقويم هذا الوضع".
تنشرها "الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت

التعليق