علاء الدين أبو زينة

نحن أمة الأنبياء..!

تم نشره في الأحد 25 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:07 صباحاً


لا حصر لمجموعة التناقضات التي تمزق الآن عقل وجسد وروح هذه المنطقة من العالم وتعذبها. وعلى عكس كل منطق، أصبحت ميزة الغنى الحضاري والثقافي التي تتفاخر بها أي أمة على الأرض تُعامل هنا على أنها نقيصة، وتتعرض للاستهداف من أصحابها المخدوعين أنفسهم، بدأب العاكف على إفقار نفسه وتخريب بيته بيديه.
نفكر بذلك بأسى ونحن نرى الاحتفالات بمولد سيدنا عيسى عليه السلام وهي تُلغى بسبب العنف أو الاحتلال؛ أو حين نشاهد البعض وهم يفوِّتون على أنفسهم الإحساس الرائع بالفخر القومي الذي يعنيه أن يكون المرء من أرض الرسالات والأنبياء. وفي الحقيقة، تشكل هذه الحقيقة في حد ذاتها سبباً للعيد والاحتفال لكل أبناء المنطقة من أي عقيدة أو دين، بطريقة تختلف عن بقية الناس في كل أنحاء العالم الأخرى.
من المؤسف والمؤلم بما يكفي أن يكون موضع ميلاد سيد السلام، سيدنا عيسى عليه السلام، أسيراً لقوة احتلال غاشمة لا مبدأ لها ولا دين. لكن المؤسف أكثر بما لا يُقاس هو أن ينخرط أهل هذه المنطقة الثرية بتراثها وتنوع عقائدها في صراع دموي، على أساس هذا التنوع بالذات. وبدل رؤية الهِبة الفريدة التي يعنيها احتضان المنطقة لطيف ثري من العقائد، يعكف متطرفون ومخدوعون على محاولة صبغ المنطقة بلون واحد يشبههم، بما يتصفون به من الجمود والدموية والانتحارية والدأب على تدمير الذات.
لو تأمل أهل هذا الزمان في تاريخ المنطقة، لرأوا أن تنوع عقائدها الراهن صمد ودام كل هذه القرون، لأن الأوائل امتازوا بالعقلية السمحة المنفتحة التي أتاحت لكل أبناء هذه الأمة الاحتفاظ بحق تعريف علاقتهم الخاصة بخالقهم وطبيعة أشواقهم الروحية. ولو كان الأوائل مثل متطرفي اليوم، لأقفرت المنطقة منذ وقت طويل من ثرائها العقائدي والعرقي، وأصبحت قاحلة منغلقة وأليق بالعيش في الكهوف.
من المفارقات أن نطالب الآخرين في مناطق العالم الآخرى بنبذ العنصرية والتمييز عندما يتعلق الأمر بمواطنينا في بلدانهم، وأن لا نكون نحن مثالاً للتعايش وحق الفرد في الاحتفاظ بمعتقداته الشخصية، ما دامت غير عدوانية ولا تمس بحرية الآخرين. وإذا كنّا نغار ونتضايق حين يتحدث دونالد ترامب عن عزل المسلمين في أميركا واستهدافهم، أو حين يهجم العنصريون في أوروبا على أقاربنا هناك، فإن الأولى بنا أن لا نخوض في ممارسات مشابهة في منطقتنا التي ينتمي كل أبنائها إليها بنفس المقدار، وقد تناسلوا فيها كابراً عن كابر.
ينبغي أن تكون الأحداث الدموية التي تُغرق منطقتنا الآن قد علمتنا بأنه لا بديل لنا من استعادة التعايش الذي ميز حضارتنا، ورتق نسيجنا الذي يبليه الصراع على أساس الطائفة المختلفة والعرق والعقيدة المختلفة، لأنه لا يمكن أن يكون هناك كاسب في صراع الأهل وأبناء الوطن الواحد. ولا بديل من الاعتراف بأن كل شخص وفكر واتجاه في أوطاننا هو شأن ينتمي للجميع وينتمون إليه. وإلا، فلن يكون من حق أحد منا أن يأخذ زواره ليريهم قلعة رومانية قديمة على أنها جزء من وطنه وهويته، لأن الذين بنوها ليسوا من أبناء ملته أو عقيدته.
لعل الأمل الوحيد لأبناء هذه المنطقة هو استعادة التركيز على المشتركات الكثيرة جداً، بدءًا من الأصل المشترك إلى التاريخ إلى اللغة إلى الخبرة اليومية المشتركة وتقاسم الهموم والنجاحات والإخفاقات. وفي عالم شديد التنافس ومليء بالقوى العاكفة على استهداف غيرها –واستهدافنا نحن بوضوح، بالاستعمارات ثم التقسيم وتقسيم المقسم- لسنا معنيين نحن بتقسيم أنفسنا والبحث عن أسس للصراعات التي سنكون نحن ضحاياها الوحيدين، ولمصلحة الآخرين.
نحن أبناء أرض الرسالات والأنبياء الذين أرشدوا البشرية إلى سبل الخير. ولا يمكن بأي منطق أن نكون نحن المنطقة التي تأكل نفسها على أساس هذه الحقيقة الإيجابية بطبيعتها. والأمل كله أن تكون الاتجاهات الغادرة التي تعيشها منطقتنا اليوم غمة وتزول، كما حدث في الأماكن التي خرجت من الصراعات أكثر إيماناً بحتمية الوحدة. ولعل عيد الميلاد القادم يعود وقد تحرر مهد السيد المسيح من الغزاة، وتخلصت المنطقة من وحش العنف والتطرف، وتهيأت لنا أسباب الاحتفال بأعيادنا بسلام.

التعليق