معاملات مالية تُجرد مكفوفين من أهليتهم وتعرضهم للاستغلال

تم نشره في الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • كثيرة هي المواقف التي تٌشعر الكفيف بأنه فاقد لأهليته - (ارشيفية)

ربى الرياحي

عمان- كثيرة هي المواقف التي تشعر الكفيف بأنه فاقد لأهليته. غير قادر على أن يستقل عن غيره، وتحديدا بالمعاملات التي تتعلق بأمواله، والتي من الممكن أن تجعله عرضة للاستغلال. وتعطي للآخر الحق في أن يتحكم بمصيره مع تغييب إرادته ورغبته في أن تكون له السلطة الكاملة في إدارة جميع شؤون حياته.
يبحث عن إيجاد الحلول الفعالة والسريعة التي بإمكانها أن تحميه وتجنبه كل تلك التعقيدات التي غالبا ما تقيد حريته وترغمه على التنازل عن أبسط حقوقه.
ليلى محمد معلمة كفيفة، حصلت على الوظيفة منذ خمس سنوات في إحدى المدارس الحكومية واجهت الكثير من المشاكل بسبب الإجراءات البنكية المعقدة وصعوبة الحصول على بطاقة صراف آلي.
كانت تضطر للذهاب إلى البنك كل شهر ليتسنى لها سحب راتبها. الأمر الذي بدأ يشكل لها معاناة كبيرة تتمثل في إلزامها بتوفير شاهدين ليشهدا على بصمتها كلما قررت أن تسحب مبلغا حتى لو كان صغيرا.
وبقيت على هذا الحال حتى جاء ذلك اليوم الذي لم تجد فيه من يشهد معها من أسرتها فكان الحل الوحيد أمامها هو أن تطلب من أحد العملاء هناك أن يشهد معها لكن سرعان ما جاء الرفض.
حينها فقط شعرت بأنها مجردة من أهليتها. مسلوبة الإرادة. عاجزة عن المطالبة بأبسط حقوقها لدرجة أنها فقدت الثقة بنفسها. وقررت أن تقبل بالخيار الأخير الذي من شأنه أن يحررها من تلك المتاعب الكثيرة التي أثقلت كاهلها. 
تقول “الوكالة كانت الخيار المريح من البحث كل شهر عمن يشهد معي بدون أن يخاف أو يحسب حساب المساءلة القانونية، لكنها في نفس الوقت جعلتني بموجبها خاضعة لسلطة أخي. ليس لي الحق في أن أتصرف براتبي كما أشاء بعيدا عن تدخلاته المزعجة المستفزة التي تشعرني بأنني قاصر لا أستطيع التمييز بين الصح والخطأ”، مبينة أن هدفه من ذلك كله تضييق الخناق علي. وتذكيري دائما أنني بحاجته. وأنه قادر على أن يحرمني من راتبي للأبد.
أسئلة كثيرة ومنطقية تجول في عقول هذه الفئة المتسلحة بالأمل، الرافضة للاستغلال والتبعية تحتاج إلى تفسيرات مقنعة قادرة على تبديد تلك النظرة القاصرة والتجاوب مع قضاياهم بإنصاف يمكنهم من استرجاع حريتهم وتجاوز ذلك السؤال المهم الذي يعزز لديهم الإحساس بالعجز، لماذا يجردون هم بالذات من أهليتهم ؟ من حقهم في أن تكون لهم  السلطة الكاملة في التصرف بشتى أمور حياتهم؟ 
هذا بالضبط ما تحاول العشرينية منال إبراهيم أن تجد له إجابة شافية تمكنها على الأقل من فهم المشكلة جيدا، والعمل من أجل أن يكون هناك حل جذري يوقف كل ذلك الاضطهاد الذي يمارس في حق فئة تؤمن بالتغيير. وبأن لديها القدرة الكاملة على إثبات نفسها، وتقدير الأمور جيدا ومعرفة ما ينفعها وما يضرها.
وعن تجربتها تقول “أنا كغيري من المكفوفين وجدت صعوبة في حماية أموالي من الاستغلال كون خياراتي محدودة تفتقر للاستقلالية والمساواة الاجتماعية التي من خلالها أستطيع التصدي لكل من ينظر إلي باستخفاف ويحاول التشكيك بقدرتي على اختيار ما يناسبني وما من شأنه أن يصب في مصلحتي”. 
وتتابع “لكنني مع ذلك أستغرب من أولئك الذين فضلوا الانسحاب على مواجهة كل من يسعى إلى إضعافهم وإرغامهم على الصمت الذي يلغي حتما فرصتهم في الدفاع عن أنفسهم والسماح لأولئك المستغلين بتهميشهم ومصادرة حريتهم حتى لا تكون لهم تلك السلطة على أموالهم وبالتالي يصبح بمقدورهم أن يستقلوا ماديا ونفسيا”.  
ذلك الأمر جعلها ترفض قطعا اللجوء لخيار الوكالة كونه حسب رأيها الشخصي اعترافا صريحا يعطي للآخر الحق في التدخل في أدق أمور حياتها. ويتجاهل أنها قادرة فعليا على وضع حد لكل من يفكر في استغلالها وتجريدها من أهليتها والتعامل معها على أساس أنها ضعيفة عاجزة وتحتاج لمساعدتهم في كل صغيرة وكبيرة.
وفي ذلك يرى خبير الاقتصاد الإجتماعي حسام عايش أن هذا الموضوع أخلاقي اجتماعي يتعلق بكيفية تعامل أشخاص تجاه الشخص من ذوي الإعاقة، ويصفه بأنه (شكل من أشكال التنمر)، مستفيدين من حالة الشخص المحتاج للمساعدة أو الذي لا يمكنه إكمال شؤونه بسبب القوانين دون مساعدة الآخرين.
ويقول، “الحقيقة هذا الأمر يستدعي من البنوك ومؤسسات المجتمع المدني وحتى مراكز البحث العلمي أن تفكر بآلية أو تبتكر لها وسيلة عالمية تسهل على الأشخاص ذوي الإعاقة (الكفيف) إدارة شؤونه بنفسه، مثال على ذلك طريقة بريل”.
ويضيف، “أعتقد أن البنوك تتحمل مسؤولية البحث عن وسيلة مناسبة لحسابات هؤلاء الأشخاص، ومن ثم تعمم هذه الوسيلة على الأشخاص ذوي الإعاقة (الكفيف) لمتابعة حساباتهم بأنفسهم”.
يقول عايش: “يجب أن يكون تفسيرنا للأنظمة والقوانين لجميع الأشخاص في المجتمع، بحيث يكون شاملا لجميع من يتعاملون مع البنك.
قضية أخرى يشير لها عايش، وسيلة الحماية في الظروف الحالية، فيجب أن تكون عملية الصراف الآلي لهؤلاء الأشخاص بحدها الأدنى، ويتم التنسيق بين البنك وصاحب الحساب على الحد المسموح للصرف، وأن يكون الثاني أيضا على معرفة بقيمة الحساب يوميا.
ويذكر عايش أنه في دول الغرب يستطيع الشخص الكفيف تدبير شؤونه بأي مكان في الشارع، في الأماكن العامة، في البنوك وغيرها.. فمثلا يسير في الشارع ويصدر من الإشارة الضوئية صوتا ينبهه بأن الإشارة حمراء وعليه الوقوف وهكذا، وعليه يمكن للبنوك تطوير الأنظمة وإضافة الاشارات الصوتية يستطيع من خلاله متابعة حسابه وإدارتها بنفسه.
يختم عايش، هذا حق للشخص الكفيف يجب الحفاظ عليه، فقيمة أي إنسان لا بد أن يقوم بأعماله وحده، وإن تطلب الأمر وجود المساعد يشعر من يحتاجها بأنه قام بها وحده.
الخبير في مجال حقوق ذوي الإعاقة  الدكتور مهند العزة أكد بدوره أن الإجراءات التي تفرضها البنوك على ذوي الإعاقة هي انتهاك لخصوصية أولئك الأشخاص، لافتا إلى أن فرض وجود شهود مع الشخص من ذوي الإعاقة يعرفون تفاصيل تحركاته البنكية أمر غير منصف.
ويضيف أن عدم اعتماد البنوك وقبولها لتوقيع شخص من ذوي الإعاقة يشكل عبئا كبيرا عليهم، خصوصا وأن البصمة وحدها في التعاملات التجارية لا تجوز دون وجود شهود.
ويرى العزة أن على البنوك أن تعتمد أختاما أو تواقيع لذوي الإعاقة لتخفيف العبء عنهم وتيسير معاملاتهم البنكية، مؤكدا الجهود التي يبذلها المختصون في تعديل هذا البند في مسودة القانون الجديد، لافتا إلى وعود البنك المركزي في إيجاد حلول إلا أنها لم تر النور إلى الآن.
ويؤكد على ضرورة أن يكون الشخص ذو الإعاقة مسؤولا عن معاملاته البنكية بحرية تامة دون أن يضطر إلى أن يبحث عن شهود يكونون في غالب الأحيان غرباء عنه وليس على معرفة بهم، مشيرا إلى وجود العديد من الحلول والبدائل السهلة التي يمكن اتخاذها بدلا من ذلك. ويجد أن على البنك المركزي إيجاد سياسات وإجراءات تصون كرامة ذوي الإعاقة وتحفظ حقوقهم.
رئيس جمعية البنوك الدكتور عدلي قندح يبين لـ"الغد" أن وجود الشاهدين ليشهدا على بصمة الكفيف حينما يقرر أن يسحب مبلغا من المال، هو ضمان لحق الطرفين، والبنوك تتبع تلك الاجراءات حتى يضمن حقه باعطاء المبلغ كاملا والعكس صحيح.
ويضيف أن ذلك لا ينتقص من الكفيف أو يقلل من أهليته انما ضمان له ولحقه، ويختار الكفيف الشهود الذين يثق بهم، ويفضل أن يكونوا برفقته عند المعاملات المالية، لافتا إلى أن عكس ذلك هو الذي قد لا يحمي حقوق الطرفين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »غياب ملحوظ للمؤسسات المعنية بشؤون المعاقين (جهاد الدهيني)

    الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    فترة وجيزة قام مجموعة من المكفوفين من حملة شهدات القانون بمخاطبة المجلس الأعلى لرعاية الاشخاص المعاقين وقامو بتقديم جملة من المقترحات حتى يتم تقديمها للبنك المركزي. والمجلس كعادته في كل القضايا قام بتجاهل الموضوع