انتبهوا لما يجري في واشنطن

تم نشره في السبت 31 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:04 صباحاً


ما جرى في الأسبوع الأخير على مسار العلاقات الإسرائيلية الأميركية، ليس مألوفا من حيث حدة المواجهة. فمن ناحية، شهدنا عربدة صهيونية منفلتة تجاه الرئيس باراك أوباما. ومن ناحية أخرى، شهدنا غضبا، لم نشهد له مثيلا، على الأقل في فترة ولاية أوباما. وكي نُبقي الأمور في نصابها، فإننا لن نسرح في خيال تخلي واشنطن عن الكيان الإسرائيلي، لكن في الوقت ذاته، فإن سلسلة مؤشرات أخيرة في الولايات المتحدة تدلل على أن هناك من بدأ يضيق ذرعا بسطوة جهات خارجية على دوائر القرار الأميركية. وطرد الدبلوماسيين الروس هو إشارة ليس فقط لروسيا.
فمنذ أن عاد حزب "الليكود" بزعامة بنيامين نتنياهو لرئاسة الحكومة منذ العام 2009، وكلها سنوات فترة حكم الحزب الديمقراطي برئاسة أوباما، تم وضع مسار العلاقات المتبادلة في وضعية تصادم متواصل، بلغت ذروتها الأولى في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2012، حينما لعب نتنياهو واليمين الصهيوني الإسرائيلي والأميركي، دورا واضحا للإطاحة بأوباما والحزب الديمقراطي. والمشهد الذي رأيناه مع ظهور نتائج الانتخابات الأميركية قبل أقل من ثلاثة أشهر، كاد يكون قبل أربع سنوات، بمساهمة هذا التدخل.
والدوافع ليست سياسية إلى هذا الحد، خاصة أن كل الإدارات الأميركية تتحرك داخل دائرة ترسم حدودها جهات التخطيط الاستراتيجي الأميركية العليا، مع بقاء حيز محدود للتباينات. لكن علينا الالتفات إلى حقيقة أن نتنياهو واليمين الإسرائيلي مرتبطان بشكل وثيق بحيتان مال أميركيين تدعم وتموّل الحزب الجمهوري، من أبرزهم الأميركي اليهودي العنصري شلدون إدلسون، الداعم الأساس لنتنياهو في إسرائيل. وهذا ما يجعل نتنياهو يتباهى بعلاقاته المميزة بالحزب الجمهوري.
ونشير هنا، بجملة اعتراضية، إلى أن الحزب الديمقراطي يتلقى غالبية تمويله من أثرياء أميركيين يهود، كما أن أكثر من 70 % من المصوتين الأميركيين اليهود يدلون بأصواتهم تقليديا لصالح الحزب الديمقراطي. وهذا انعكاس واضح لما تشير إليه الاستطلاعات على مدى السنين، بأن توجهات غالبية الأميركيين اليهود بعيدة عن توجهات اليمين الصهيوني.
إن شكل تصويت الولايات المتحدة الأخير في مجلس الأمن الدولي لم يكن صدفة؛ ومن دون التقليل إطلاقا من أهمية القرار الدولي الصادر ضد الاستيطان، فلو أن القرار كان سيشكل "خطرا محدقا" على إسرائيل؛ بمعنى فرض عقوبات ومحاصرة، لكانت واشنطن استخدمت "الفيتو". وليس صدفة أن اليسار الصهيوني اعتبر القرار ضد الاستيطان وليس ضد إسرائيل. وكذا بالنسبة لخطاب وزير الخارجية جون كيري، فإن "اليسار" ذاته قرأه كدفاع عن مشروع الدولة اليهودية، الذي "يجب انقاذه بحل الدولتين".
رغم ذلك، فإن اليمين الصهيوني الإسرائيلي والعالمي، رأى في هذا الأداء الأميركي ما ينغّص عليه، ويقضم بعضا من سطوة اليهود على دوائر القرار الأميركي. فجاء الرد غاضبا، وفي الوقت ذاته مستخفا، كون الأمر سيمتد لبضعة أسابيع قليلة، حتى يدخل البيت الأبيض دونالد ترامب، المحاط بداعمين للاستيطان في الضفة المحتلة. مع ذلك، فإن في إسرائيل من ينصح حكومته بأن لا يسرح خيالها أكثر من اللزوم بشأن قدرات ترامب على الخروج عن قواعد الاستراتيجيات التي تضمن مصالح أميركا في العالم.
فعودة إلى الداخل الأميركي، فإن لكل واحد من الحزبين جهات قوية تسعى إلى مصالحها، وبالذات مصالحها الاقتصادية. ومن الممكن الافتراض أن الجهة الخاسرة لا يمكنها القبول بسرعة بخسارتها، خاصة إذا ما شعرت وتأكدت أكثر أن من مسببات خسارتها مؤثرات خارجية، ساهمت في تأليب الرأي العام وكسر الموازين فيه.
والتقارير التي تحتل الصدارة حاليا، تتحدث عن التدخل الروسي. وقرار الرئيس أوباما طرد عشرات الدبلوماسيين الروس، هو رد فعل "ومقلب مدروس" ضد ترامب والحزب الجمهوري. لكن في المقابل، فإن "الديمقراطيين" وداعميهم يعلمون أن اللوبي الصهيوني اليميني المسيطر على وسائل إعلام مركزية، لعب مرّة أخرى لعبته، وهذه المرة نجح في الإطاحة بالحزب عن الرئاسة، وعن الأغلبية في مجلسي الكونغرس.
قد تنتهي جولة الغضب الأميركي في غضون أسابيع قليلة. لكن من الممكن افتراض إلى درجة التأكد، أن هناك من بات يضيق ذرعا بسطوة جهات خارجية، أو قوة هامشية داخلية، على دوائر القرار الأميركي، وحتى على صياغة الرأي العام الأميركي. وهذه مؤشرات محدودة، لكنها ممكن أن تكون مؤشرا لما هو أكبر بكثير مستقبلا.

التعليق