علاء الدين أبو زينة

دروس من هيلاريون كابوتشي...!

تم نشره في الخميس 5 كانون الثاني / يناير 2017. 01:07 صباحاً

بدأ هذا العام برحيل المناضل الكبير، عاشق فلسطين، المطران هيلاريون كابوتشي، في منفاه بروما عن عمر ناهز 94 عاما. ويشكل رحيل المطران كابوتشي خسارة لكل أصحاب الضمائر الحية في العالم، وللعرب والفلسطينيين بشكل خاص. وقد تفتح وعينا في فترة حرجة من مسيرة النضال الفلسطيني على صور المطران وأخبار نضاله واعتقاله، ثم إبعاده على يد الاحتلال الوحشي في فلسطين. وأعاد نبأ وفاته تلك الأوقات، وما رافقها من الأحداث والمشاعر المختلطة التي كانت آملة، برغم كل شيء.
أحب المطران كابوتشي، ابن حلب السورية، مدينة القدس التي عُين مطراناً لكنيسة الروم الكاثوليك فيها في العام 1965. ومثل كل أبناء ذلك الجيل من العرب المخلصين، آمن كابوتشي بانتمائه القومي إلى كل بقعة عربية، وكان من الطبيعي جداً أن تكون فلسطين قضيته. ولم يكتفِ المطران بالخطابة والتبشير من على المنابر، وإنما انخرط فعلياً في النضال ضد قوى الاحتلال الصهيوني، وقام بنقل الأسلحة للمقاومين في فلسطين الاحتلال بسيارته، إلى أن اعتقلته سلطات الاحتلال في العام 1974. وحكمت عليه محكمة العدو العسكرية بالسجن مدة 12 عاماً. وأثار سجنه بسبب مناصرته قضية عادلة، غضب أحرار العالم. وتواصلت الجهود للإفراج عنه، حتى أطلق سراحه بوساطة من البابا في العام 1978، بعد أربع سنوات قضاها في سجون الاحتلال، وتم إبعاده إلى الفاتيكان حتى وفاته يوم الأحد الماضي.
نُقل عن مكسيموس الخامس، بطريرك كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك، وكان من أشد منتقدي سجن كابوتشي -ويماثله إيماناً بعروبته- قوله: "هل هذا الأسقف يستحق الشجب إذا كان يعتقد أن واجبه هو حمل السلاح؟ إذا عدنا في التاريخ، فسوف نجد أساقفة آخرين قاموا بتهريب الأسلحة، وضحوا بأرواحهم وقاموا بأفعال أخرى غير قانونية من أجل إنقاذ اليهود من الاحتلال النازي. أنا لا أفهم لماذا يجب أن يُدان رجل لأنه مستعد لإنقاذ العرب".
تعلمنا من الفقيد الكبير أن رجل الدين يظل في النهاية مواطناً في هذا الجزء من العالم، ويجب أن يحسّ بنبضه ويكون معنياً بقضيته. لكن دوره يجب أن يكون إنسانياً وفي اتجاه التجميع وليس التفريق. ولا يمكن أن يكون نيافة المطران قد فكر بأي انتماءات ضيقة من أي نوع، بقدر ما فكر بأن وطنه العربي يواجه عدواً مشتركاً واحداً يجب أن يقف مواطنوه جميعاً في وجهه بكل قواهم. ولطالما تساءلنا نحن أيضاً عن المنطق في اتجاه أي "رجل دين" إلى تعميق الفتن الداخلية والتأليب الطائفي والمذهبي على مواطنيه وتدمير أوطانهم، في حين أن هناك العدو الغاشم نفسه الذي يستهدف الجميع في فلسطين. لكن المطران عاشق فلسطين، كان منسجماً مع الحقيقة التي عبر عنها الشاعر مظفر النواب في قوله: "بوصلةٌ لا تشير إلى القدسِ مشبوهةٌ".
وتعلمنا من الراحل الكبير، فكرة الثبات على الموقف إذا استند إلى قضية لا شك في عدالتها. فبعد نفيه وإبعاده عن الوطن الذي أحب، واصل المطران الدفاع عن قضيته حيثما تيسر له. وعندما جاءت فرصة للعمل النضالي الميداني بعد وقت طويل، اغتنمها المطران فانضم إلى أسطولي حرية غزة في العامين 2009 و2010 لمحاولة العودة إلى فلسطين. ومع أن عمره كان 88 عاماً، فإن كبر سنه وبُعد الشقة لم يثنياه عن المحاولة مرتين، والتعرض لما تعرض له زملاؤه على متن السفينة "مرمرة" من بطش سلطات الاحتلال والاعتقال والسجن والإبعاد مرة أخرى.
ينبغي أن نتعلم من الفقيد الكبير أننا ركاب في سفينة واحدة، تماماً مثلما ضمت السفينة "مرمرة" أصحاب القضية الواحدة من كل طيف. وإذا تضرر أي جزء من هذه السفينة وتسربت إليها المياه، فإن الجميع سيغرقون. ولا أتصور أن أحداً يمكن أن يزايد على المطران كابوتشي، صاحب المذهب الكاثوليكي والزي الكهنوتي، في صدق نضاله وانتمائه الحقيقي الذي عبر عنه دائماً إلى عروبته وقوميته، بلا تعارض مع إنسانية الفكرة وصدق الإيمان. وأعتقد أن تجربته توفر مقياساً دقيقاً لما يجب أن يكون عليه رجل الدين وما يعمل لأجله، وحيث سيرسب الكثيرون من "رجال الدين" و"المناضلين" المزورين التفريقيين من الميزان.
رحم الله فقيدنا نيافة المطران، وعوضنا عنه خيراً.

التعليق