رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي

تم نشره في الثلاثاء 17 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً
  • لوتشيانو فلوريدي أستاذ الفلسفة وأخلاق الإعلام في جامعة أكسفورد

لوتشيانو فلوريدي

أستاذ الفلسفة وأخلاق الإعلام في جامعة أكسفورد

نَظَرَ غاليليو، العالم الفلكي والفيزيائي الإيطالي الشهير، إلى الطبيعة على أنها عمل مكتوب بلغة الرياضيات، يمكن حلّ شيفرته من خلال الفيزياء. ربما كانت استعارته هذه امتداداً لمحيطه، لكنها حتماً ليست من محيطنا. فعالمنا يتكون من أرقام تجب قراءتها من خلال علوم الكمبيوتر؛ إنه عالم تقوم فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي (AI) التي تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها، بالعديد من المهام أفضل مما نقوم بها نحن. وكما الماء بالنسبة للأسماك، تشكل التقنيات الرقمية أساساً لفضاء المعلومات الذي نعيش فيه، ونحاول نحن الكائنات التماثلية التكيّف مع هذه البيئة الجديدة، والتي تشمل مزيجاً من المكونات التناظرية والرقمية.
لقد أصبحنا اليوم نتبادل المعلومات والاتصالات الإلكترونية مع وكلاء اصطناعيين أذكياء، مستقلين، واجتماعيين أيضاً. وبعض هؤلاء الوكلاء هو بالفعل أمامنا في الواقع، والبعض الآخر يظهر واضحاً في الأفق، لكن رغم ذلك لا يمكننا أن نتوقع ما ستكون عليه الأجيال اللاحقة. والمعنى الضمني الأعمق لهذا التغيير التاريخي، هو أننا ربما ما نزال في بداية مسار جديد من التحول نحو عصر تتقاسمنا العيش فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
إن وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين جاؤوا بأشكال متعددة، مثل التطبيقات، والبرامج الإلكترونية، والخوارزميات، والبرامج بأنواعها كافة، والأشكال الصلبة، مثل "الروبوتات"، والسيارات ذاتية القيادة، والساعات الذكية، وغيرها من الأدوات، أصبحت تحل محلّ الموظفين، وتقوم بالوظائف التي كانت تُعتبر قبل بضع سنوات خارج حدود التكنولوجيا: فهرسة الصور، وترجمة الوثائق، وتحليل نتائج الأشعة السينية، والطائرات من دون طيار، واستخراج معلومات جديدة من مجموعات البيانات الضخمة، وغير ذلك.
في الواقع، حلت التقنيات الرقمية والأتمتة على مدى عقود، محل العمال في مختلف القطاعات الزراعية والصناعية، وأصبحت تشمل الآن قطاع الخدمات أيضاً. وفي ضوء ما نشهده من اختفاء متزايد للمهن القديمة أو التقليدية، يمكننا أن نخمّن حجم التغيير الذي سنشهده في المستقبل، وعلينا أن ندرك مدى خطورته. وهذا الخطر يشمل العديد من الوظائف التي يقوم فيها الناس بدور الوسيط، مثلاً بين نظام تحديد المواقع والسيارات، والوثائق وتوفرها بلغات مختلفة، ومكونات الطهي والطبق النهائي، والأمراض والأعراض المرتبطة بها.
لكن في الوقت نفسه، ستظهر فرص عمل جديدة، لأننا سنحتاج إلى وسطاء جدد بين الخدمات المؤتمتة، والمواقع الإلكترونية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وغيرها. وسيكون على شخص ما التحقق من خدمة الترجمة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي وتقييم مدى دقتها، على سبيل المثال.
أكثر من ذلك، فإن العديد من المهمات لن تكون فعالة من حيث التكلفة بالنسبة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. فعلى سبيل المثال، يزعم البرنامج الذكي الخاص بشركة "أمازون" أنه يتيح لزبائنه "الوصول إلى أكثر من 500 ألف عامل من 190 دولة"، ويتم تسويق البرنامج باعتباره شكلاً من أشكال "الذكاء الاصطناعي". لكن الواقع يشير إلى أن "العمال" في هذه الشركة ما يزالون يقومون بمهمات تافهة، ويتقاضون مبالغ زهيدة.
أضف إلى ذلك أن هؤلاء العمال ليسوا في موقف يمكّنهم من رفض الوظيفة. والخطر هنا يتمثل في أن الذكاء الاصطناعي -في حال لم تتم السيّطرة على تأثيراته- سيواصل تفكيك مجتمعاتنا بين طبقات عليا تملك الكثير، وطبقات دنيا تكاد لا تملك ولن تملك شيئاً. وليس من الصعب أن نتخيّل التسلسل الهرمي الاجتماعي في المستقبل الذي يحتل فيه بعض النبلاء مكانة أرقى فوق الآلات وفوق طبقة دنيا جديدة هائلة من عامة الناس. وفيما تتلاشى الوظائف، فاٍن عائدات الضرائب ستواجه المصير نفسه، ومن غير المرجح أن تبادر الشركات التي ستستفيد من الذكاء الاصطناعي إلى دعم البرامج الاجتماعية لموظفيها السابقين.
من هنا، علينا أن نبادر إلى تحفيز الشركات على أن تدفع المزيد من الأموال. وربما يكمن الحل في فرض ضرائب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وينبغي علينا أيضاً إيجاد التشريعات والأنظمة اللازمة للحفاظ على "إنسانية" بعض الوظائف المعيّنة. وبالفعل، فإن مثل هذه التدابير هي السبب وراء ندرة القطارات من دون سائق حتى الآن، على الرغم من إمكانية التحكم بها وإدارتها على نحو أفضل من سيارات الأجرة والحافلات التي تعمل من دون سائق.
مع ذلك، ما تزال تأثيرات الذكاء الاصطناعي غير واضحة تماماً على مستقبل الإنسانية. فبعض الوظائف القديمة سينجو، حتى عندما تقوم الآلة بمعظم العمل؛ إذ إن البستاني المكلّف بقطع الأعشاب بآلة جز العشب "الذكية" سيكون لديه المزيد من الوقت للتركيز على أمور أخرى، مثل تصميم المناظر الطبيعية أو إعادة تخطيط الحديقة. وفي الوقت نفسه، ستتاح لنا إمكانية القيام بمهمات أخرى (مجاناً) كمستخدمين، مثل خدمة الدفع الذاتي في ممر الخروج من الأسواق والمتاجر المركزية.
هناك سبب آخر وراء حالة عدم اليقين هذه، يتمثل في الشك بإمكانية السيّطرة على الذكاء الاصطناعي من قبل مجموعة من التقنيين والمديرين. فماذا سيحدث عندما سيصبح الذكاء الاصطناعي "ديمقراطياً"، ويكون متوافراً للملايين من الناس على هواتفهم الذكية أو بعض الأجهزة الأخرى؟
بدايةً، سيتحدى السلوك الذكي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي سلوكنا الذكي، لأنه سيكون أكثر قدرة على التكيّف مع فضاء المعلومات في المستقبل. فوجودنا في عالم يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة التنبؤ به والتعامل مع خياراتنا، سيجبرنا على إعادة التفكير في معنى الحرية التي نعرفها. وسيتعيّن علينا أن نعيد التفكير في أسلوب حياتنا الاجتماعية؛ فالرفقاء الاصطناعيون، والهولوغرامات (الأصوات المجردة)، والروبوتات، ستوفر بدائل جذابة لا يمكن تمييزها عن التفاعل الإنساني مع المتغيّرات المحيطة.
من المؤكد أن كيفية تطور مثل هذه التقنيات ما تزال غير واضحة. لكن يمكننا أن نطمئن إلى أن الوكلاء الاصطناعيين الجدد لن يدعموا مخاوف من يحذروننا منهم، ولن يدخلوا في سيناريو الخيال العلمي البائس، الذي يفترض سيطرتهم التامة علينا، فهذا العالم الجديد لن يتحقق. إذ علينا أن نتذكر أن الذكاء الاصطناعي يكاد يكون تناقضاً لفظياً: التقنيات الذكية ستصبح في المستقبل غبية مثل سيارتك القديمة. وإن تفويض المهمات الحساسة لهؤلاء الوكلاء "الأغبياء" هو في الواقع أحد المخاطر التي سنواجهها مستقبلاً.
في خضم البرمجيات العظيمة التي تجتاح هذا الكون، سنبقى عبارة عن مخلوقات صغيرة جميلة، وسيصبح الذكاء الاصطناعي أكثر فأكثر مكوناً طبيعياً من حياتنا.

التعليق