تعليم الفلسفة في الوطن العربي

تم نشره في الجمعة 27 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً

معاذ بني عامر

سأتجاوز –فوراً- عن إحداثية البكائية التي لا تفتأ تُستحضر للندب على انقطاع الدرس الفلسفي في عموم الوطن العربي؛ بما أفضى إلى غياب انشغال الإنسان العربي بجملةٍ من الأسئلة الكبرى التي تؤكد –في حال الاشتغال الحثيث والمستمر عليها- فردانيته وفرادته في هذا العالَم، وتسليمه –على الجهة المقابلة- بحزمةٍ من الإجابات حول الله والإنسان والعالَم التي أنجزها غيره، بما يضعه في مرتبة أقل من غيره؛ فثمة أشخاص لا يفكّرون عنه فحسب، بل يُحدّدون موقفه الوجودي في هذا العالم، من لحظة ميلاده إلى لحظة موته.
سأتجاوز عن هذه البكائية، لأبسط إمكانية الدخول في تعليم الفلسفة في الوطن العربي، دونما استدراج للدموع على زمنٍ مضى، على أساس أنّ ذلك الزمن المجيد الذي دُرّست فيه الفلسفة –في بعض المناطق العربية- لم يُنتج فلاسفة بالمعنى الحقيقي للفلسفة، بقدر ما أنتج أناساً يحفظون بعض المتون الفلسفية ليس إلا، بما أبقاهم في دائرة الاجترار، لا في دائرة الإبداع. أي إن تعليم الفلسفة لم يختلف في عموميته عن تدريس التاريخ أو الفقه أو علم الاجتماع، بل إن ثمة ذهنية جمعية كان لديها كثير من الثوابت المعرفية (الدينية/ الفلسفية/ العلمية/ الاجتماعية/ النفسية/ السياسية... إلخ) عندما تجلّت، فإنها تجلّت في جماجم عديدة، وكأنّ بندول هاته الذهنية الجمعية يدور نفس الدورة في جماجم كثيرة، بما أبقانا على ما نحن عليه، بطريقةٍ رُهنّا فيها –وهذه المرة طوعاً وانسجاماً مع ضرورة تاريخية، لا يمكن لها أن تقفز مباشرة إلى إبداع المعارف دونما مكابدات معرفية كبيرة- لنتاجات: 1- قديمة، و/ أو 2- غيرية، بما حقّق وجودنا المعرفي في نسقين معرفيين ضاغطين، أحدهما ماضوي وثانيهما غيري، أطبقا على أعناقنا، فبقينا في مكاننا، لأننا غير قادرين على إدارة جماجمنا يمنةً و/ أو يسرةً، لنتمكن من زحزحة ذهنيتنا الجمعية، وطرح أسئلة جديدة تليق بنا ككائناتٍ عاقلة، بعيداً عن عقول الأسلاف أو عقول الأغيار، على اعتبار المُشترك العقلي بيننا وبينهم، دونما أفضلية لأحدٍ على أحد في هذا المشترك.
اليوم، أمامنا فرصة ذهبية لتعليم الفلسفة في الوطن العربي، بما يتجاوز حدود المباحث التأسيسية في الفكر الفلسفي، سواءً تعلّق الأمر بالمبحث الإبستمولوجي ونظرية المعرفة أو المبحث الأنطولوجي ومواضعاته للوجود بكلّيتيه الفيزيقية والميتافيزيقية، أو المبحث الأخلاقي وما رافقه من سبر لأغوار القيم التي تُحرّك الإنسان في وجوده الزمكاني. بما يعني عدم احتكار الفلسفة تدريساً ونشراً وتعقيباً من قبل أقسام الفلسفة في الجامعات، وممارسة نوع من الاحتكار قد يُفضي إلى إنتاج أجيال تتموضع في تاريخ الفلسفة، لا في التفكير الفلسفي.
سيفضي هذا التجاوز عن الأنساق الأكاديمية البحتة، إلى اضطلاع أقسام كثيرة بل ومدارس كثيرة في تعريف الفلسفة –ولو بشكل مرحلي، ولا سيما أننا نعيش في مجتمع يؤمن بالكُلّيات ولا يسعى إلى التعامل مع الجزئيات الصغيرة- على أنها: "الاشتغال على تفعيل آليات التفكير العقلاني لدى الإنسان" بطريقةٍ تجعل من الفلسفة في متناول الجميع، بحيث ينتقل الإنسان العربي إلى طورٍ آخر من أطوار التفكير الإبداعي، فلا يعود تابعاً لأحد في طريقة التفكير، بل يتخّذ طريقاً له في هذه الحياة، ويشكّل موقفاً من العالَم.
ففي مواضعات هذا التعريف، ستشتغل أقسام كثيرة على تعميم الفكر النقدي، ابتداءً من أساتذة الفلسفة وليس انتهاءً بأساتذة كليات الشريعة، بل هي عملية اشتغال جمعي يشارك فيها الكلّ، لأنها في مصلحة الكل. فتفعيل آليات التفكير العقلاني ستنتصر للحقيقة بطريقةٍ أو بأخرى، حتى لو أدَّت إلى تهديم مسلّمات أو مراجعة اليقينيات، ليس في المجال الديني فحسب، بل في المجال الأدبي والتاريخي والفلسفي والاجتماعي... إلخ. بما يعني –من ضمن ما يعني- تخلِّي كثير من الأساتذة، سواء أكانوا يُدرّسون الفلسفة أو أصول الدين أو النقد الأدبي، عن كثير من يقينياتهم التي يؤمنون بها، ويعتبرونها نقطة بدء لأي معارف جديدة، أو أن أي معرفة جديدة ينبغي لها أن تنسجم –طوعاً و/ أو كرهاً- مع هذه اليقينيات.
كتجلٍّ لتعريف الفلسفة كما اصطلحتُ عليه آنفاً، لا معنى لليقينيات الفكرية التي آمنا بها لفترة طويلة، وها نحنُ نحصد نتائجها واحدة تلو الأخرى، ابتداءً من الشطب المعنوي وليس انتهاءً بالتصفية الجسدية، بل ثمة انفتاح –وفقاً للتعريف أعلاه- على فحص الخيارات المعرفية بعيداً عن شرطٍ مُسبق يفترضُ بمعرفةٍ أخرى تسليماً كاملاً بصحتها، بحيث يُحْجَر على آليات التفكير العقلاني مبدئياً، بل يتم إخضاع هذه المعارف إلى فحص عقلي، بصرف النظر عن النتيجة التي سيتم التوصّل إليها، سواء كانت صحةً أو بطلاناً، دونما غضب أو ردّات فعل انتقامية من قبل الأتباع المؤمنين بتلك المعارف، بل ثمة بسط لتجربة الحِراك العقلي، وقدرة تلك المعارف التي آمنا بها لفترات طويلة أن نتأكّد منها، لناحية صحتها المعرفية وانسجامها مع الحقيقة، أم تمّ تمريرها إلى الأذهان والأعيان بالقوة والتوارث؟
إذاً، ثمة فرصة لتعليم الفلسفة وتعميم مُدخلها الأساسي، ألا وهو تفعيل آليات التفكير العقلاني، بحيث يصبح كل شيء –كل شيء بشكل كامل- قابلاً للجدل والنقاش، بعيداً عن فكرة التخويف المبدئي، بفقداننا لمعنانا الوجودي في هذا العالَم، وتقهقر هويتنا الحضارية، في حال راجعنا مُسلّماتنا وعرّضنا بها نقداً وتفكيكاً في العلن.
اغتنام هذه الفرصة سيحرّر الإنسان العربي –ليس فقط ذلك الدارس للفلسفة أو المهتم بها- من معارف أثقلت عقله، وجعلت منه محض عضو –أي العقل- لحَمْل معارف الآخرين، لا مبدعاً لمعارف جديدة، من خلال الاشتغال على فكرة النقد البنَّاء الذي يستهدف البنى المعرفية المختلفة، لا لغاية النيل من أصحابها سيكولوجياً، بل لغاية إبداع معارف جديدة، تُلبّي الاحتياجات الوجودية لهذا الإنسان طالما أنه موجود في هذا العالم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تدريس الفلسفه (لارا علي الشبلي العتوم)

    الجمعة 27 كانون الثاني / يناير 2017.
    طبعا سلمت يمناك
    و اسمح لي بالسؤال عن الفرصه؟!اين هى و ما هى؟!
    قليله هى البادان العربية التي تدرس الفلسفه ضمن مناهجها و اعتقد الان لا تتعدى الواحده او الاثنتين
    بغض النظر لا ادري سبب توقف تدريس مادة الفلسفه في الاردن و لا ادري ايضا. لماذا يتم وضع عدم تواجدها في المتاهج الندرسبه سبب في تدهور العمليه التعليمية ؟!
    فهل الفلسفه هى التي تدفع التفكير للابداع ام الارتقاء و التعمق بالعلم يخلق الفلسفه؟!
    كل الاحترام