هل تتفكك الولايات المتحدة..؟!

تم نشره في الخميس 2 شباط / فبراير 2017. 12:07 صباحاً

لو تحدث أحد عن تحلل الاتحاد السوفياتي في أواسط القرن الماضي، لقوبل اقتراحه بالاستهجان على الأقل. ولو تحدث أحد قبل عشر سنوات عن قيام شعوب عربية بإسقاط حكامها المتشبثين بالسلطة، أو عن تمكن تنظيم من إقامة دولة جديدة لنفسه في المنطقة، لاتهموه بالضرب في الرمل. لكن للتاريخ خططه التي يفاجئ بها المنطق، ولو أنه يعرض بعض المقدمات.
لمَ لا تتفكك الولايات المتحدة، وقد تحللت من قبلها القوى العظمى على مرّ التاريخ ولم تدُم السيادة لأحد؟ حسب أصدقاء يعيشون في الولايات المتحدة منذ زمن طويل، فإن الولايات المتحدة تمتلك من أدوات القوة والاحتفاظ بالهيمنة ما لا يمتلكه أحد. إنها صاحبة أقوى جيش في العالم، وأقوى اقتصاد في العالم، وأفضل جامعات في العالم. وفوق ذلك، تتمتع هذه الدولة بموقع جغرافي خاص وراء المحيط، حيث لا يطالها أحد، بينما تستطيع هي أن تطال الجميع بحاملات طائراتها وصواريخها وقدرتها على نشر الجيوش وغزو الدول. ولم تتعرض في التاريخ الحديث إلا لضربة "بيرل هاربر" وهجمات 11/ 9 (إذا أهملنا نظرية المؤامرة)، ولم تكن لهذه الأحداث تأثيرات يمكن أن تقترب من تهديد الدولة.
لكن لهجة نفس الأصدقاء المقيمين هناك بدأت تتغير في زياراتهم الأخيرة. لم يعودوا يجدون غضاضة في الحديث عن إمكانية تقويض الولايات المتحدة. لكنهم يقترحون أنّ تفكك هذه الإمبراطورية يمكن أن يأتي فقط من الداخل. هناك الشعور الشعبي بانكسار فكرة "الحلم الأميركي" الذي وعد الجميع بالثراء. وهناك الإحساس بالاستغلال الذي تجسد بعضه في حركة "احتلوا وول ستريت" التي أبرزت استئثار 1 % من الأميركيين بالثروة على حساب 99 %. وهناك الجدل حول أدوار الولايات المتحدة في العالم، والصراع بين الأممية والانعزالية. وهناك اكتشاف التناقض الصارخ بين "القيم الأميركية" و"الممارسات الأميركية"، والحديث عن فقدان الهوية الوطنية، والشك في صواب الديمقراطية التي أنجبت أخيراً رئاسة دونالد ترامب ضد رغبة الكثير من الأميركيين.
لكن التحقق العملي لبداية تفكك الولايات المتحدة، كما يقترح الأصدقاء هناك، سيتجسد في اتجاهات الولايات الغنية هناك إلى الانفصال عن الاتحاد والتحول إلى دول مستقلة. ويشبه ذلك إلى حد ما بداية حديث الجمهوريات السوفياتية عن الانفصال، ولو لأسباب مختلفة. وقد تحدثت الأخبار في العام 2012 عن تقدم 15 ولاية، على رأسها لويزيانا، بطلبات للانفصال عن الاتحاد. وغاب حديث الانفصال، ليعاود الظهور في العام الماضي، حين أثار انفصاليون في ولاية تكساس قضية استقلال ولايتهم عن البلاد، مستنيرين بتجربة الخروج البريطاني "بريكست"، وآليات إجراء استفتاء على الانفصال. وقدر الانفصاليون أن اقتصاد تكساس، المقدر بنحو 1.6 تريليون دولار سنوياً، كفيل بوضعها بين أكبر 10 اقتصادات في العالم.
ثم، يوم الجمعة الماضي، أعلنت ولاية كاليفورنيا، على لسان سكرتيرها، أليكس باديلا، أنها أجازت لحملة تطالب باستقلال الولاية البدء في جمع التوقيعات اللازمة لإجراء استفتاء يقرر فيه الناخبون ما إذا كانوا يريدون البقاء في الولايات المتحدة أو الانفصال عنها. ويقول موقع حملة "نعم كاليفورنيا" التي تدعو إلى استقلال الولاية، في تبرير دعوتها: "تمثل الولايات المتحدة الكثير من الأشياء التي تتعارض مع القيم الكاليفورنية. ويعني استمرار بقائنا في الوضع الحالي أن تستمر كاليفورنيا في تقديم الإعانات للولايات الأخرى على حسابنا وحساب أولادنا". ويذكر الموقع أن "كاليفورنيا، بوصفها سادس أكبر اقتصاد في العالم، هي أقوى اقتصادياً من فرنسا ولديها سكان أكثر من بولندا". ويتحدث الموقع عن مشاركة الولاية الإجبارية في تمويل حروب تجلب من الإرهاب أكثر مما توقفه، حسب الحملة. كما يعترض ناشطو الحملة على محاربة الهجرة، ويتحدثون عن افتخار ولايتهم بأنها الولاية الأكثر تنوعاً في الولايات المتحدة، وينتقدون نظام الانتخاب وتمثيل الولاية، من بين أمور أخرى.
إذا نجحت حملة كاليفورنيا في تحقيق هدف التصويت بنعم على الاستقلال (يقول استطلاع لرويترز إن 32 % من سكان الولاية يؤيدون ذلك الآن، والنسبة في ارتفاع)، فسيشجع ذلك ولايات أخرى على الشيء نفسه. ومع أن الكثيرين يشككون في نجاح هكذا خطوات ويذكّرون بالعقبات، فإنه لا دخان من دون نار. ويبدو أن انتخاب ترامب الذي استقطب البلد يغذي حركات الانفصال. أما إذا كان تفكك الولايات المتحدة سيشكل أخباراً جيدة للعالم، فموضوع مختلف.

التعليق