لماذا تراجع الأردن على "مؤشر مدركات الفساد" للعام 2016؟

تم نشره في الأربعاء 8 شباط / فبراير 2017. 12:00 صباحاً

د. محي الدين توق*

لا بد من التأكيد بداية على أن "مؤشر مدركات الفساد" (Corruption Perception Index) الذي تصدره "منظمة الشفافية الدولية" سنوياً، يقيس مدى الاعتقاد بانتشار الفساد في الدول، كما ترى ذلك أو تعتقد مجموعة من الخبراء والاقتصاديين ورجال الأعمال والقادة المجتمعيين. وبالتالي، فهو ليس مقياساً لمدى الانتشار الفعلي للفساد، والذي يقيسه مقياس آخر للمنظمة نفسها هو "باروميتر الفساد" (Barometer of Corruption)؛  وهو مقياس أقل انتشاراً، والمعرفة به أقل من المعرفة بالمقياس الأول.
يشارك الأردن في "مؤشر مدركات الفساد" منذ حوالي عشرين عاماً. وتراوحت علامته بين 45 و54 % عبر هذه السنين. وعلى الرغم من أنّ الأردن أسّس القاعدة التشريعيّة والتنظيميّة الضروريّة لمكافحة الفساد، إلا أنّ علامته على هذا المؤشر بقيت تراوح حول الوسط (علامة النجاح)، وليست هذه هي المرة الأولى التي يتراجع فيها الأردن على المؤشر.
لقد حقق الأردن أفضل علامة على "مدركات الفساد"، والبالغة 54 %، في العام 2006. ففي ذلك العام، كان الأردن قد صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وشكّل هيئة مكافحة الفساد وأصدر قانونها، كما نظّم المؤتمر الأول للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وشارك طواعية في تقييم تنفيذ الدول للاتفاقية. وقد أعطت هذه الأمور مجتمعة صورة إيجابية جداً عن الأردن للمجتمع الدولي، لناحية مدى جدّيته في مكافحة الفساد. وعندما لم تتحول هذه المكتسبات إلى إجراءات عملية على أرض الواقع العام 2007، تراجع الأردن في ذلك العام بواقع سبع علامات، كما تراجع في العامين 2010 و2013 بواقع ثلاث علامات عن العامين السابقين لهما. وكان آخر تراجع في العام 2016؛ إذ تراجعت علامة الأردن على المؤشر بواقع خمس علامات، فيما تراجع ترتيبه بين الدول بواقع 12 درجة.
وحقيقة الأمر أن الدول العربية كافة تراجعت في العام 2016 بالمقارنة مع العام 2015، ما عدا تونس التي حققت تقدماً بسيطاً. وكان أكثر التراجع حدة هو في دول الخليج العربية؛ إذ تراجعت قطر عشر علامات، والامارات بأربعة علامات، والسعودية بست علامات، والبحرين بثماني علامات. كما أن معظم دول العالم تراجعت في العام 2016 نوعاً ما.
ومن المفيد في معرض الإجابة عن السؤال "ما الذي أدّى إلى هذا التراجع؟"، أن نتعرف على خصائص الدول التي سجلت أفضل النتائج على "مؤشر مدركات الفساد" للعام 2016، وأن نسأل أنفسنا بعد ذلك: ما الذي تمتلكه هذه الدول ولا نمتلكه نحن؟
الدول العشر الأفضل للعام 2016 هي الدنمارك، ونيوزيلندا، وفنلندا، والسويد، وسويسرا، والنرويج، وسنغافورة، وهولندا، وكندا. وهي تتميز، حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية، بما يلي:
1. أنها جميعاً من الديمقراطيات الراسخة (ما عدا سنغافورة) التي يتميز قطاعها العام بفاعلية عالية.
2. تتمتع الصحافة ووسائل الإعلام في هذه الدول كافة بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. واحترام حرية الرأي والتعبير في هذه الدول من المسلمات الأساسية.
3. تتيح هذه الدول لمواطنيها الحق في الوصول إلى المعلومات، خاصة تلك المتعلقة بالمصروفات/ النفقات العمومية.
4. تلتزم هذه الدول كافة بمعايير قوية وصارمة فيما يتعلق بالنزاهة في القطاع العام، ولدى الموظفين العموميين بوجه خاص.
5. تتميز هذه الدول جميعاً بسلطة قضائية مستقلة استقلالاً كاملاً وبفاعلية عالية، وفي إنفاذ القانون.
لا شك أن هذه الخصائص الخمس ضرورية لمكافحة الفساد، كما أثبتت كل البحوث والدراسات. إلا أنها، على أهميتها، تقع في باب العموميات التي لا تعطي تفسيرات محددة لوضع دولة ما على المؤشر، من مثل كيف تتفوق دولة مثل سنغافورة، وهي ليست دولة ديمقراطية بالمعنى المعروف، على دول ديمقراطية عدة؟ وكيف تتأخر بعض الديمقراطيّات الراسخة عن بعض الدول العربيّة؟ فما هي إذاً بعض الأسباب المحتملة لتراجع الأردن في العام 2016 بالمقارنة مع العام 2015، على الرغم من أنه أقرَ قانوناً جديداً للنزاهة ومكافحة الفساد، وأطلق ميثاق النزاهة الوطني، وأعلن استراتيجية جديدة للنزاهة ومكافحة الفساد، ووضع قانوناً للانتخاب فيه الكثير من الإيجابيات؟
يشير تقرير منظمة الشفافية الدولية للعام 2016 إلى ثلاثة أسباب محتملة لتراجع الأردن، هي برأي المنظمة:
1. عدم تجسيد التطورات المتمثلة بالتعديلات التشريعية والتنظيمية سابقة الذكر، مكتسبات حقيقية على أرض الواقع لتغيير الأوضاع السائدة.
2. عدم ملاحقة قضايا الفساد التي تم التحقيق فيها وإصدار أحكام بشأنها.
3. فشل الحكومات المتعاقبة في مواجهة الفساد الصغير المتمثل بالرشوة والمحسوبية التي تعمل على إعاقة الاستثمار.
على الرغم من ذلك، لا بد من التمحيص بدقة أكبر لمعرفة الأسباب الأخرى التي أدّت الى تراجع الأردن في العام الماضي. وهناك ثلاثة أسباب أخرى محتملة لذلك؛ الأول والثاني منها يتعلقان بالأردن تحديداً، فيما يتعلق الثالث بمعظم الدول، بما فيها الأردن.
السبب الأول والأهم يعود إلى طبيعة احتساب العلامات على مؤشر مدركات الفساد، وتركيزها الكبير على المدركات المتعلقة بعوامل النزاهة والمنافسة الاقتصاديّة. ووضع الأردن فيها للأسف ليس جيداً.
إن من المعروف ان العلامة على مؤشر مدركات الفساد هي علامة تجميعية معالجة إحصائياً لعلامات الدول على 12 مؤشراً أو تقريراً دوليّاً، معظمها اقتصادي بطبيعته؛ كتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، وتقرير وحدة الاستخبارات المالية/ إيكونومست، وتقرير التنافسية الدولي، وتقرير الترتيب الدولي للمخاطرة، ومؤشر القابلية للتحول، بالإضافة إلى تقارير أخرى كتقارير "بيت الحرية"، وتقرير الديمقراطية، ومؤشر حكم القانون. وعند مراجعة وضع الأردن على هذه المؤشرات/ التقارير، نجد أن وضعه ليس بالمستوى المطلوب. فعلامة الأردن على ثلاثة مؤشرات من أصل ثمانية دخلت في احتساب هذه العلامة للعام 2016 هي دون 50 %. والعلامة على مؤشرين تبلغ  50 % فقط، فيما العلامة على باقي المؤشرات الثلاث تراوح بين 50 % و60 %. وفي المحصلة، حصل الأردن في العام 2016 على علامات متدنية في درجة المخاطر، والتنافسية، والديمقراطية، وحكم القانون، والقابلية للتحول؛ وعلى علامات متوسطة نوعاً ما في تقريري المنتدى الاقتصادي العالمي ووحدة الاستخبارات المالية/ إيكونومست. واذا لم تتحسّن علامة الأردن على هذه المؤشرات فإنّ علامته على مؤشر مدركات الفساد لن تتحسّن بشكل جوهري.
السبب الثاني الذي أدى ليس إلى تراجع الأردن هذا العام فحسب، بل وبقائه حول الوسط في العشرين سنة الأخيرة، هو عدم تقدم المملكة على مؤشرات الحوكمة الرئيسة، خاصة تلك المتعلقة بفاعلية الحكومة، والمشاركة والمساءلة، وحكم القانون، ونوعية التنظيمات. ومن المعروف أن ضبط الحوكمة هو أحد أهم عوامل كبح الفساد والوقاية منه. وعليه، فإن ضبط الفساد والحد من انتشاره يتطلبان تطوير الحوكمة الرشيدة المتمثلة بمبادئها السبعة المعروفة، وهي: التشاركية، والشفافية، والمساءلة، والاستجابة الفاعلة، وتطوير حكم القانون، والعدالة والإدماج، والفاعلية والكفاءة.
أما السبب الثالث في تراجع ليس الأردن فحسب، بل ودول الإقليم ومعظم دول العالم، فهو تأثر تقرير مؤشر مدركات الفساد للعام 2016 بتقرير دولي آخر على غاية الخطورة، هو تقرير اللامساواة على المستوى العالمي وعلاقته بالفساد. إذ يُعتقد أن العلاقة بين الفساد واللامساواة علاقة تبادليّة؛ فمن جهة يعمل الفساد على زيادة فجوة اللامساواة، ومن الجهة الأخرى تعزّز اللامساواة من نمو الفساد في المجتمعات. وتفهم اللامساواة في هذا السياق من منظورين، أحدهما على علاقة بالتقاسم غير المتكافئ للسلطات في الدولة، والثاني على علاقة بالتوزيع غير المتكافئ وغير العادل للثروة. فمن الناحية الأولى، تؤدي سيطرة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية إلى تعزيز الواسطة والمحسوبية من جهة، وإضعاف الوظيفة الرقابية والمساءلة من جهة ثانية. كما يؤدي ضعف استقلالية السلطة القضائية إلى إلحاق الضرر بأسس العدالة والمساواة في المجتمع وإضعاف حكم القانون. وتعمل هذه المظاهر كافة الناجمة عن اللامساواة بهذا المعنى، على إضعاف الحوكمة، الأمر الذي يزيد من احتمالية الفساد. أما من الناحية الثانية، فيؤدّي التوزيع غير المتكافئ للثروة إلى سيطرة المال على الحياة العامة، بما فيها الحياة السياسية، ويزيد من إحباط الناس وعدميتهم، وعدم ثقتهم بالحكومات، ونزعتهم للقبول بالفساد على أنه نمط سلوكي طبيعي لا مفر منه، ويصبحون بالتالي جزءاً منه. فإذا أخذنا بعين الاعتبار العلامة المرتفعة للتنمية الاقتصادية اللامتساوية، والعلامة المرتفعة للفقر والتراجع الاقتصادي للأردن كمؤشرين من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية لهشاشة الدولة، أدركنا إلى أي درجة يمكن أن يؤثر فيها عامل اللامساواة في مدركات الناس حول انتشار الفساد.
وللتعمق في تحليل الأسباب التي أدّت إلى تراجع الأردن في العام 2016، أورد مقارنة ليس مع الدول الديمقراطية الراسخة، بل مع دولتين شقيقتين لاستقاء الدروس المستفادة.
فقبل نحو خمسة عشر عاماً، كانت علامات الأردن على مؤشر مدركات الفساد لا تختلف  كثيراً من الناحية الإحصائية عن علامات كل من  دولتي قطر والإمارات العربية المتحدة. إلا أن قطر تفوقت على الأردن العام 2016 بثلاث عشرة علامة، بينما تفوقت الإمارات بثماني عشرة علامة. فلماذا حصل هذا الفارق؟
من تحليل نتائج العلامة التجميعية على مؤشر مدركات الفساد لكل من الأردن وقطر والامارات العربية المتحدة، نجد أن كلا من قطر والإمارات العربية المتحدة تفوقتا على الأردن في التقارير/ المؤشرات كافة المعتمدة لاستخراج العلامة الكلية، وخاصة تلك المتعلقة بالتنافسية الاقتصادية ودرجة المخاطرة في الأعمال، والقابلية للتحول، وحكم القانون، وتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، بينما تفوق الأردن على قطر بعلامة واحدة على مؤشر الديمقراطية، وعلى الإمارات بعلامتين في تقرير وحدة الاستخبارات المالية/ إيكونومست. أما على مؤشر هشاشة الدولة، فقد تفوقت كل من قطر والإمارات العربية المتحدة على الأردن في أبعاد مهمة، هي التنمية الاقتصادية المتساوية، والفقر، والتراجع الاقتصادي، والخدمات العامة، وتسلط النخب العصبوية.
لذا، فإن الدرس المستفاد في حالة هذه المقارنة أن التنمية الاقتصادية المتوازنة، وزيادة الانفتاح والشفافية المالية، والتنافسية المنضبطة والمدعومة بحكم القانون، تحسِّن ليس فقط من قدرة الدولة الاقتصادية وإنما تعزز أيضا من قدرتها على مكافحة الفساد.
ومن هذا التحليل، يبدو أنّ تحسين المؤشرات الاقتصادية وضبط الحوكمة نحو مزيد من سيادة حكم القانون وتعزيز المشاركة والنزاهة والشفافيّة والمساءلة وتدعيم استقلاليّة القضاء وزيادة فاعليّة الحكومة، هي أهم العوامل التي تشكّل محركات الدولة الفاعلة، والتي تعمل بالتالي على تحسين صورة الدولة في المؤشرّات الدوليّة، بما فيها مؤشر مدركات الفساد. ومن هذا المنظور، فإنّ ما ورد في الورقة النقاشيّة السادسة لجلالة الملك من تأكيد على سيادة القانون في دولة قويّة وفاعلة تعمل مؤسساتها بشفافيّة وتخضع للمساءلة، يجب أن يشكل لب العمل الوطني في المرحلة المقبلة.
في الختام، يبدو أن هناك فجوة كبيرة بين مدركات الأردنيين عن انتشار الفساد في القطاع العام، وبين انتشار الفساد على أرض الواقع، استناداً إلى مؤشر "باروميتر الفساد" للعام 2016 الذي تصدره منظمة الشفافيّة الدوليّة أيضاً، والمشار إليه سابقاً. ففي الوقت الذي اعتقد 76 % من الأردنيين الذين شاركوا في الدراسة أنّ الفساد قد ازداد بالمقارنة مع العام السابق، فإنّ 4 % فقط من الأردنيين قالوا إنّهم دفعوا رشاوى مقابل الخدمات العامّة، وهي أدنى نسبة في الدول العربيّة. وتؤيد هذه النتيجة دراسة أخرى أجريت من قبل مركز الدراسات الاستراتيجيّة في الجامعة الأردنيّة قبل عشر سنوات. ويبدو من واقع الدراسة أنّ هذا التفاوت يعود إلى اعتقاد الناس بأنّ جهود الحكومة في معالجة الفساد ليست في المستوى المطلوب، على الرغم من اعتقادهم أنّ الأردن يقع في المنطقة الخضراء (بعيداً من منطقة الخطر الحمراء) فيما يتعلّق بفساد القطاع العام، ومؤشر دفع الرشاوى، ومؤشر قدرة الناس على مكافحة الفساد، ما يعكس فجوة الثقة بين الناس والحكومة. وبالتالي، فإنّ إجراءات بناء الثقة في الحكومة لا تشكّل مطلباً وطنيّاً فحسب، بل هي ستعمل على خفض مدركات الناس عن انتشار الفساد، وتُحسن بالتالي وضع الأردن على مؤشر مدركات الفساد.

*رئيس اللجنة الدولية المخصصة للتفاوض بشأن "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد" التي وقعت العام 2003.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لست بحاجة (ادكمال غرايبة)

    الأربعاء 8 شباط / فبراير 2017.
    اذكرالمصري الباهر ادبيا وجراحيا وبالاخص تاريخيا الاستاذ الدكتور وسيم السيسي عندما قال ردا على سؤال في مقابلة معة حول خروج بني اسرائيل من مصر عندما قال انهم لم يدخلوا مصر لنقول انهم خرجوا منها وانا اقول انني لست بحاجة لمعايير النزاهة عندهم حتى اقيم الفساد عندنا لاني اراه كل ثانية ودقيقة وساعة ويوم وشهر وسنة وعقد .