الموت يغيب الفنان محمود طه: الخزاف الذي لون العالم

تم نشره في الخميس 9 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً
  • الفنان الراحل محمود طه - (بترا)

عمان - الغد - ودعت الحركة التشكيلية الأردنية أول من أمس، قامة فنية بارزة، برحيل الفنان التشكيلي والخزاف الأردني محمود طه، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والابداع الفني على المستويين؛ المحلي والعربي.
ونعى وزير الثقافة نبيه شقم الفنان الذي غيبه الموت، عن عمر يناهز (74) عاما، مقدما تعازيه لأسرة الراحل ولزملائه في الرابطة، ومعبرا عن حزنه لخسارة الوسط الفني بغياب أحد أعمدة فن الخزف في الأردن والوطن العربي، لما حققه من إنجازات في الرابطة التي ترأسها وكان أحد مؤسسيها، إلى جانب عضويته في عدد من الروابط العربية والعالمية المعنية بالتشكيل وفن الخزف.
وقال شقم في بيان صحفي "إنّنا إذ نفتقد الفنان طه، لنشعر بحجم الفراغ الذي تركه، مؤملين من زملائه في الرابطة مواصلة الدور الذي أخلص له في مجال فن الخزف، خصوصا وقد أثر في الكثير من المبدعين في هذا المجال".
والفنان الراحل صاحب مسيرة إبداعية مديدة حافلة بالإنجازات الخزفية والتشكيلية، وقد تأثر منذ بداياته في عوالم الفن والتشكيل بالطين، وبدت مواهبه المزنرة بمخيلته الجامحة الرحبة في تدفق عطائه الفني عاكسا الكثير من الوقائع في حياة امته من آلام وما تتطلع اليه من آمال.
وكانت موهبته الفطرية في مجالات الكتابة وخط الرقعة خصوصا، نقطة الانطلاق نحو نضجه الفني والتقني في ميادين الحياة العملية والفنون التشكيلية والتطبيقية.
حرفة الخط العربي، مكنت الفنان الراحل طه والحاصل على جائزة الدولة التقديرية العام 1990 وعلى ميدالية الحسين للتفوق العام 2002، من متابعة مسيرة حياته وفق آليات محددة حيث عمل أيضاً في مجالات البحث الفني وتدريس الخط العربي والتربية الفنية في كليات المجتمع بالعاصمة عمان، كما ساهم في تأسيس رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين.
تنوعت اشتغالات الراحل بين لوحاته الخطيّة والحفرية ومنحوتاته الخزفية، الآتية من براعة جمالية في قدرته على الرسم باسلوبية فطنة وضعت له بصمة راسخة وفريدة ومميزة في فضاءات الابداع التشكيلي عربيا ودوليا.
يلخص الفنان التشكيلي محمد الجالوس مسيرة الفنان الراحل محمود طه: انه بدءا من معرضه "تواقيع على هوامش العهدة العمرية"، مرورا بمعارض "الوطن والذاكرة" و"مسافات للوطن والذاكرة" و"مقامات الوطن والذاكرة" و"المقامة العاشرة: ورق وطين وذاكرة"، وصولا إلى معرض "الذاكرة" ، بأنه فنان حملته الذاكرة، وكان وفيا لها على مدار العقود الأربعة الماضية، فهو في كل محطة من محطات عمله الفني، كان باحثا و(مجربا) من الطراز الأول، لم يركن إلى منجز بعينه أو تقنية بعينها، نقل هموم أمته وشعبه وظل مسكونا "بلغة الطين، تلك التي حول بها العادي والنفعي، وأقصد وظيفة الخزف الأولى، إلى لغة تشكيلية انتقلت بالأواني والصحون إلى عمل فني بامتياز، ووفق شروط اللوحة، كما هو الحال في أعماله الجدارية، أو أعمال النحت البارز".
ويضيف الجالوس "نحن أمام فنان يمثل علامة فارقة في حركة التشكيل العربية والأردنية، وهو المخلص لعمله الفني، القابض على جمر وفائه للأصالة والرصانة في التعبير".
بعد حصول طه على شهادة الثانوية العامة، درس في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد وفيها تعرف على الخطاط الشهير هاشم محمد البغدادي، وتتلمذ على يديه أصول الحرفة والصنعة، متابعا بذات الوقت مجال تخصصه الأكاديمي في ميادين الخزف ، ومنها استكمل دراساته العليا في كلية كاردوف للفنون في مقاطعة ويلز البريطانية.
ويرى الفنان والناقد التشكيلي غسان مفاضلة، أن أعمال طه الخزفية تؤكد على سعي دؤوب في الكشف عن القيم الجمالية التي يكتنزها فن الخزف الذي تخصص فيه، لافتا إلى أنه سعي يؤكد من خلاله على خصوصيّة معالجاته الخزفيّة تشكيليا، وذلك من خلال انفتاحها على تنوع المعطيات البصرية، التي تلتف في أعماله على بعضها بعضا في حاضنة الذاكرة المشدودة بين الطين والجسد، وبين الورق والخط واللون.
أما الناقد والفنان التشكيلي عبدالله ابو راشد، فيرى أن لوحات الراحل الخطيّة والحفرية ومنحوتاته الخزفية، تُشكل عالماً غنياً بالصور المرئية والمبتكرات الفنية التشكيلية والتطبيقية، مفتوحة على موهبة صادقة ويد خبيرة أتقنت مجال حرفتها الأكاديمية والمهنية باقتدار فكري وتقني، وشكلت رافعة جمالية لفنون الخزف الفلسطيني، والقائمة على التنوع في المحتوى البصري والمواضيع المسرودة، واللصيقة بذاتية الفنان الشخصية وطريقته في التفكير والتوصيل، ومقدرته الفنية في رسم عوالم متعددة في خصوصية التفرد التقني، وتخير محتوى الموضوعات المطروقة، وأعماله الخزفية ومدوناته السردية حفرت له بصمات راسخة وأنيقة في الفن التشكيلي العربي والفلسطيني خصوصاً.
ويبين أن بداية مسيرته الفنية كانت متكئة على نبش ركام المواضيع ذات الصلة بالتراث العربي الإسلامي، وتأخذ من الخزفيات الإسلامية نماذج مُستعارة لتوليد خزفيات في معالم سردية جديدة، حاضنة لمفاتن الخط العربي التقليدي، والمسطحات الهندسية المكررة والمتوازنة في تناغم الإيقاع والتوالد والمقابلة، والمشابهة الشكلية في سياقاتها النمطية التي تولي الأهمية للتجريد وروحانيات المدلول الرمزي المتوارية في ثناياها، محمولة بجماليات الشرق العربي الإسلامي بكل تجلياته الوصفية.
ويؤكد أن أعماله محملة بمفاتن الوصف البصري، وتجليات التقنية المفتوحة على جودة الصنائع والحرفية المتمكنة من حدود موهبة صانعها، وطاقة الخامات المستعملة متعددة المشارب والصنائع والدروب، سواء أكانت في ميادين الخط العربي والحفر والطباعة اليدوية، المشغولة على مواد ولدائن وخامات بيئية متعددة، أو مشغولات خزفية عامرة بفنون النحت ثنائي وثلاثي الأبعاد المنظورة، جميعها موصولة بخبرة ذاتية مفتوحة على التجريب والمحاولة، والوصول إلى جادة الإتقان والخبرة والابتكار، وجودة في الصنعة وتفرد في الأسلوب وتصلح أعماله وتجاربه الفنية لأن تكون مدرسة فنية ومرجعية بصرية وتقنية لدارسي عوالم الخزف الفني بملامحه العربية الإسلامية. -(بترا)

التعليق