فريهان سطعان الحسن

"جيوب عاجزة"!

تم نشره في الاثنين 13 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً

من كان يصدق أننا سوف نراهم بيننا، روحاً وجسداً، وليس قصة تروى فننكرها ونرفض تصديقها!
رجل يبدأ يومه قبل شروق الشمس، لنبش النفايات بحثا عن شيء يباع بأي ثمن، بل وحتى عما يمكن استصلاحه من طعام، يسد به رمق عائلته التي لا تجد ما يقيها آلام الجوع!
حتى في أشد الأوقات برودة تجده يبحث بين أكوام النفايات، مؤملاً النفس ببقايا خبز جاف، أو أطعمة لم تفسد تماماً بعد، يحملها إلى أطفاله الذين ما خبروا من الحياة إلا قسوتها!
ومن كان يُصدق أن نرى بيننا أمّاً تدخل أحد محال الخضراوات مترددة، تخشى أن لا يكفي ما في جيبها لشراء ما يصنع لعائلتها طبقا يشبعهم ولو ليوم واحد. فيما طفلتها التي اصطحبتها معها لا تتوقف عن شد طرف ثوبها طوال الوقت، تبكي بحرقة وترجوها أن تشتري لها بعض حبات التفاح، لتجيب الأم بحرقة أكبر: "يا ماما والله ما معي مصاري".
وسيدة مسنة تقف على باب ملحمة قرب المنطقة التي تسكنها؛ حيث تنتظر خروج شخص اشترى اللحم لبيته، لتدخل بعدها تطلب إلى العامل هناك بواقي العظم الأجرد، لتسلقه لأبنائها فيتذوقون بعضا من طعم اللحم!
تلك لم تكن المرة الأولى، فصاحب الملحمة صار يعرف هذه السيدة جيدا، فيخبئ لها عادة ما تبقى بعد "تنظيف" اللحم الذي يشتريه الزبائن، وهي ترجوه دوما أن لا يتخلص من تلك الزوائد، لكي تطعم أبناءها.
وهناك أب غابت ملامح وجهه تحت الهموم والآلام واليأس، يطلب من العامل بمحطة البنزين أن يملأ له الـ"جالون" الصغير الذي يحمله بالكاز، على أن لا يتعدى الثمن ديناراً ونصف الدينار، وبما يكفيه لنيل بعض دفء في ليلته هذه، ولا يعرف إن كان سيستطيع أن يفعل الشيء ذاته في اليوم التالي.
ربة منزل تدخل مطعما شعبيا، وتضع يدها في جيبها مخرجة كل ما فيه، لكنها تكتشف أن ما معها يكفي فقط لساندويشة فلافل واحدة. فتطلب من العامل أن يقسمها 3 قطع بالتساوي، لكي تأكلها مع ولديها اللذين ينتظرانها على أحر من الجمر!
وتستمر القصص مع رجل مسن نهش جسده البرد وأمراضه في غرفة موحشة بلا أبواب ولا شبابيك، وسقف قد يسقط في أي لحظة. وآخر يحمل فرشته المهترئة باحثا على مكان ينام فيه تحت أحد الجسور، إذ لا مكان يؤويه. وثالث يموت أقرب الناس إليه لأنه لم يستطع أن يؤمن له ثمن الدواء.. كما صرنا نشاهد متروكين بالعراء بيننا بعد أن آلت مساكنهم إلى السقوط!
هي قصص لا تنتهي. أبطالها بشر إخوة لنا، يصارعون الجوع والفقر والحرمان. وعلى قسوتها الصادمة فإنها للأسف ليست قصصا من وحي الخيال، عن أناس لا يستطيعون مقاومة سُعار الأسعار الذي نهش أجسادهم وأرواحهم.
هم يا "معالي الوزيرة" بحاجة إلى دينارين، يعادلان ثمن علبة سجائر، لكنهم لا يجدونهما لتأمين خبز وعلبة لبن وبضع حبات فلافل، علّهم يسكتون جوعهم، ويكملون يومهم بمظهر البشر! مبلغ لا يعني للبعض شيئا، لكنه يعني لهم الكثير!
إنهم بيننا.. يعيشون بالقرب منا وأمام أعيننا في مدننا، فكيف تكون الحال لو ذهبنا إلى الأطراف، والقرى التي غابت عنها الحياة منذ أزمان؟!
يا ترى، هل تنزل حكومتنا قليلا من برجها العاجي فترى كم تلك المآسي بأعينها؟! أم أن هذا ليس من أولوياتها، وعلى الشعب أن يدفع ثمن كل "إخفاق" من روحه قبل دمه ولحمه؟!
لسنا مسؤولين عن أخطاء "كارثية" لحكومات متعاقبة زادت من حجم المديونية. وليس دورنا أن نسد "عجزكم" وجيوب كثيرين بيننا "عاجزة" عن كل شيء.!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أحسنت (مصطفى صبري)

    الاثنين 13 شباط / فبراير 2017.
    أحسنت بمشاعرك الإنسانية في تصوير واقع مؤلم يصيب طبقة لا بأس بها من مجتمعنا الذي نحبه في وطننا الذي نعتز به. فهل من مجيب؟؟؟
  • »الضمائر المشوهه (عبدالله ابوزيد)

    الاثنين 13 شباط / فبراير 2017.
    مؤلمة ، وواقع رأيناه كثيراً وربما سنراه مستقبلاً اكثر وأكثر بينما قيمة احدى المركبات وحتى قيمة وقودها او مخصصات الضيافة لأصحاب المعالي تعيل أسرة كاملة لشهور... لطالما الجشع وعدم الشعور استشرى بلا رقيب ليشكل لهذه الفئات ضميراً مشوها لا يتيح لهم الإحساس بآلام الناس ، فلننتظر دمار الأمة !!!
  • »مالوف (انور محمد الضمور)

    الاثنين 13 شباط / فبراير 2017.
    هذه الضواهر اللتي ذكرتيها استاذه فريهان مالوفه من زمان واكاد اقول انها ومع اسفي عند البعض عباره عن هوايه هو في الواقع يوجد فقر يوجد فبعض الموظفين والمتقاعدين جيوبهم فارغه ولولا السلف والديون لكان كما ذكرت وشكرا