الآفاق المستقبلية للإرهاب والتطرف في ظل العولمة (2/ 2)

تم نشره في الأربعاء 15 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً

د. سعود الشرفات

شكل التسارع التكنولوجيّ (أو مؤشر العولمة التكنولوجي) عاملا حاسما في تسارع ظاهرة الإرهاب؛ إذ نجحت  منظمات وشبكات الإرهاب (المدربة، والمتعلمة، والمغامرة)، مثل "داعش"، في استخدام آخر مخرجات التكنولوجيا الحديثة لمصالحها الخاصة، والتكيف مع مراحل التطور التكنولوجيّ بسهولة أكبر من تكيف الدول كما الأطراف الفاعلة الأخرى من غير الدول، مثل المنظمات والمؤسسات والشركات العابرة للحدود (متعددة الجنسيات)، والتي قد تصطدم بحواجز التكاليف والبيروقراطية الإدارية.
وأعتقد أن أهم مؤشر أو مظهر في هذا المجال هو نجاح الشبكات الإرهابية في بناء مواقع الإنترنت على الشبكة العالمية. وليس هذا فحسب، بل إدامة صيانتها وتشفيرها، ثم إعادة تشفيرها باستمرار عندما تتعرض للهجوم من الخارج.
إن أخطر التهديدات التي تتحدث عنها الأجهزة الأمنية الأميركية الآن هي سيناريو قيام إرهابي واحد أو مجموعة إرهابيين، يعملون بحرية ومن دون مساعدة، في اختراق أمن البلاد والإقامة فيها ثم يأخذون تعليماتهم من الشبكة الافتراضية. إضافة إلى ذلك، فإنّ بعض مواقع الشبكات المشتبه بضلوعها بالإرهاب موجودة على الأراضي الأميركية نفسها، بمعنى أن مزود خدمة الإنترنت (ISP) موجود في أميركا. وخطورة الأمر أن هؤلاء المزودين قد لا يعرفون أن خدمتهم تستخدم لمواقع إرهابية إلا إذا تمّ إعلامهم بذلك، وحالما يتمّ اكتشاف أمرهم فإن الإرهابيين سرعان ما يقومون بتغيير المزود بسرعة تفوق سرعة ردّ  فعل السلطة وأجهزة مكافحة الإرهاب. فقد أشارت تقارير خبراء أن العام 2016 شهد نزوحاً لعدد كبير من عناصر "داعش" من مواقع التواصل الشهيرة مثل "تويتر" و"فيسبوك"، نحو مواقع أخرى بينها  "تليغرام"، و"كونتاكت" و"داياسبورا" الروسيين، حيث تُعتمد شبكة من الخوادم المستقلة اللامركزية، والتي يصعب تعقبها ورصد حركتها.
مؤشرات واتجاهات الإرهاب الحالية والمستقبلية
بهدف إلقاء الضوء على مستقبل ظاهرة الإرهاب والتطرف الديني في ظل حقبة العولمة الحالية، نعرض مجموعة من المؤشرات الإحصائية الرقمية المهمة، لندع الأرقام تفصح عن وجهها القاسي
وقد تم الاعتماد هنا على "مؤشر الإرهاب العالمي" (Global Terrorism Index) للعام 2016، والذي يصدره معهد الاقتصاد والسلام / سيدني للسنة الرابعة على التوالي. وهو أشمل وأحدث مؤشر للإرهاب العالمي؛ إذ يقيس الإرهاب في 162 دولة في العالم منذ العام 2000 وحتى نهاية العام 2015. (وبالمناسبة، احتل الأردن المرتبة 53 من أصل 162 دولة شملها المؤشر) ويغطي المؤشرات الفرعية التالية: الخسائر في الأرواح؛ الإصابات/ الجرحى؛ الخسائر في الممتلكات العامة والخاصة؛ الآثار الفسيولوجية التي يخلفها الإرهاب (وهذا مؤشر فرعي حديث في مؤشرات الإرهاب).
ومن خلال "مؤشر الإرهاب العالمي"، نستطيع ملاحظة النتائج والاتجاهات الحديثة للإرهاب، والتي تؤشر على الطابع الخطر (والمتشائم إن جاز التعبير). ولعل أهمها ما يلي:
- هناك تطور كبير وانتشار للإرهاب العالمي وتعقيد في ديناميكياته، إذ يشهد اتجاهاً تصاعديا (مع بعض الاستثناءات في بعض السنوات) في الخسائر والممتلكات والآثار النفسية والفسيولوجية.
- سجل العام 2014 الاتجاه الأسوأ في تاريخ مؤشرات الإرهاب؛ إذ تعرضت 93 دولة في العالم (أو ما نسبته 57 % من دول العالم) للإرهاب. ويعتبر هذا  أعلى معدل للعمليات الإرهابية خلال الـ16 عاما الماضية، وراح ضحيتها ما مجموعه 32,765 شخصاً. وهذا يشير إلى المدى والنطاق الذي وصل إليه الإرهاب كظاهرة عولمية متخطية للحدود الوطنية.
- بلغ العدد الإجمالي لقتلى العمليات الإرهابية العام 2015 ما مجموعه 29,376 شخصاً. مع ذلك، فهو يشكل انخفاضا بنسبة 10 % عن العام 2014، وبما يعد أول انخفاض منذ العام 2010. وجاء الانخفاض نتيجة عمليات مكافحة الإرهاب ضد "داعش" في العراق و"بوكوحرام" في نيجيريا، من دون أن يمنع هذا، للأسف الشديد، انتشار خطر التنظيمين في العالم؛ ذلك أن إرهاب "بوكوحرا"م انتقل الى دول الكاميرون والنيجر وتشاد، ورفع نسبة قتلى الارهاب في تلك الدول بمقدار 157 %. أمّا "داعش"، فقد توسع نطاق إرهابه العالمي وانتشر لينشط في 28 دولة في العالم العام 2015، بعد أن كان ينشط في 13 دولة فقط في العام 2014.
- من الاتجاهات المهمة أن "المقاتلين الأجانب" الذين يلتحقون بداعش في سورية هم على درجة عالية من التعليم، لكن بين الأقل دخلاً، ويلتحقون بالتنظيم، جزئيا، بسبب شعورهم بالتهميش وعدم الاندماج في بلدانهم الأصلية.
- من الاتجاهات المهمة أيضا أن هناك 18 حالة قتل نفذها تنظيم "داعش" ومؤيدوه العام 2014 في دول "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"، لكن عدد العمليات والقتلى ارتفع بشكل صارخ خلال عام 2015، ليبلغ 67 عملية إرهابي راح ضحيتها 313 قتيلا.
ويعتبر "داعش" في حقبة العولمة المعاصرة الجماعة الأكثر إرهاباً وتوحشاً في العالم؛ إذ تجاوز التنظيم إرهاب بوكوحرام العام 2015، حين نفذ عمليات إرهابية في 252 مدينة في العالم، وكان مسؤولاً عن مقتل ما مجموعه 6141 شخصا.
- نصف العمليات التي تنسب إلى (أو لها علاقة ) تنظيم داعش" نفذت عن طريق أشخاص لم يكن لهم علاقة مباشرة بالتنظيم.
- يلاحظ أن هناك جهدا كبيرا تبذله الحكومات الغربية والعربية والإسلامية للتخفيف من خطر الإرهاب، والإشارة الممنهجة (على الأقل في الغرب) بأن الإرهاب نوع من العنف السياسي المركز والمحصور في 5 بؤر، هي بالمناسبة جميعها إسلامية (العراق، وأفغانستان، ونيجيريا، وباكستان، وسورية)، وأن 72 % من إجمالي عدد قتلى الإرهاب العام 2015 هم من هذه الدول. ثم إن هناك 4 جماعات إرهابية كلها إسلامية، هي "داعش" وبوكوحرام والقاعدة و"طالبان" أفغانستان وباكستان، مسؤولة عن ما نسبته 74 % من أجمالي عدد القتلى نتيجة الإرهاب في العالم العام 2015!
ماذا يعني هذا؟ ترسيخ صورة متوحشة للإسلام بشكل عام في العالم. وكما سبق ذكره؛ فإن سيرورة  العولمة تزيد من احتمال الصدام الحضاري، إذ أخذ العالم في التحول إلى رقعة أصغر بفعل ضغطه زمانياً ومكانياً الأمر الذي دفع وحفّز درجة الوعي بالخلافات والتهديدات السياسية والاجتماعية والثقافية أوسع وأعمق وأكثر خطورة وتوحشاً.
- ارتفع عدد الدول التي شهدت قتلى نتيجة الإرهاب من 17 دولة فقط العام 2014 إلى 23 دولة العام 2015. كما ارتفع عدد قتلى الإرهاب في دول "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" العام 2015 (التي تتكون من 34 دولة) إلى نسبة صاعقة، إذ بلغ 577 قتيلا، معظمها في فرنسا وتركيا، فيما بلغ عدد ضحايا الإرهاب 77 قتيلا العام 2014. وقد شهدت 21 دولة من المنظمة عملية إرهابية واحدة على الأقل.
والخطر في الأمر أن نصف عدد قتلى الإرهاب في  دول "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" العام 2015 كان "داعش" مسؤولاً عنه.
- بلغت خسائر الاقتصاد العالمي نتيجة العمليات الإرهابية العام 2015 ما يزيد على 89 مليار دولار. مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا المبلغ على ضخامته لا يشكل إلا ما نسبته 1 % من المجموع الكلي لخسائر الاقتصاد العالمي الناتجة عن العنف بشكل عام، والتي بلغت أكثر من 13 تريليون دولار. وعلى سبيل المثال فإن تكلفة الإرهاب على الاقتصاد العراقي بلغت العام 2015 ما نسبته 17 % من الناتج المحلي الإجمالي.
- هناك علاقة وارتباط قوي بين وجود الإرهاب في دولة ما ومستويات الصراعات والعنف السياسي، والشعور بالظلم في تلك الدولة؛ إذ إن ما نسبته 90 % من العمليات الإرهابية في العالم تقع ضمن نطاق الدول التي تعاني من تلك المشاكل.
كما هناك علاقة وارتباط قوي في الدول النامية بين وجود الإرهاب، ومستويات  الفساد، وعدم المساواة بين مكونات المجتمع والجماعات المكونة له.
- يلاحظ أن هناك 274 جماعة إرهابية غير معروفة في العالم نفذت أعمالا إرهابية في العام 2015، إلا أن 103 منها لم تؤدِ إلى قتل أحد.
- من الاتجاهات الحديثة في الإرهاب أنه منذ العام  2006 كان 98 % من قتلى العمليات الإرهابية في الولايات المتحدة الأميركية ناتجة عن عمليات نفذها "ذئاب منفردة"، وأدت إلى مقتل 156 شخصاً.

التعليق