العجز المالي نظرة واقعية

تم نشره في الأربعاء 15 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً

د.خالد واصف الوزني

من الحقائق المعروفة أن الدول النامية ترتبك بمجرد ظهور العجز المالي على رادار الموازنة العامة، وتبدأ تلك الحكومات بعمل كل ما في وسعها لتغطيته طمعا في الظهور أمام الجهات الدولية بشكل متين اقتصادياً، وسعيا وراء الاقتراض من المؤسسات الدولية التي يهمها، بالدرجة الأولى، أن يسُد المدين التزاماته، وهذا حقهم. أما النجاح في تحقيق أهداف التصحيح الاقتصادي فهو أمر يخُصُ المدين، فليس هناك أي مشكلةٍ إن لم تتحقق أهداف التصحيح طالما أن القروض يتم سدادها.
ولعل أكبر مثل معاصر على ذلك هو ما عشناه في الأردن على مدى السنوات الأربع الماضية حينما حصلت الحكومة السابقة على قروض سخيةٍ من صندوق النقد الدولي تجاوزت ملياري دولار مقابل برنامج إصلاح كان من المفترض أن يصل بالنمو الاقتصادي الى نحو 4 % وأن يُخفّض المديونية الى نحو 80 % من الناتج المحلي أو أقل، وأن يصل بالعجز المالي الى أدنى مستوياته، وأن تعمل الحكومة على توفير الإيرادات التي تحقق سداد مستحقات القروض الخارجية عبر إلغاء الدعم على المشتقات النفطية وتعرفة الكهرباء إضافة الى رفع الضرائب والرسوم على العديد من السلع والخدمات.
وقد انتهت السنوات الأربع المذكورة وتحقق منها البند الأخير فقط، في حين تراجع النمو الاقتصادي من 2.6 % قبل الاصلاح الى اقل من 2 %، وارتفعت المديونية الى ما يلامس 100 % من الناتج المحلي الإجمالي، وزادت نسب البطالة من 12 % إلى 16 %، وبقي العجز على حاله مع تغيرات سببها تحويل دعم المشتقات النفطية من دعم مباشر وكلفة تتجاوز 250 مليون دينار الى ضرائب مباشرة وإيرادات صافية وصلت الى نحو 500 مليون دينار سنويا، وتحول معظم الدعم على الكهرباء الى أسعار وتعرفة ربحية واضحة.
السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هنا هو؛ إذا كان الدواء المستخدم يؤدي الى كل هذه النتائج السلبية فهل ما تم فعلا هو إصلاحٌ اقتصاديٌ أم أنه وصفةٌ غير مكتملة، وأن ما تم قد يكون مطلوبا لتصحيح التشوهات ولكنه بالضرورة لم يؤد الى الخروج من الأزمة!!!! فهل يُعقل أن يذهب أحدهم الى الطبيب فيصف له علاجا يؤدي في النهاية الى تدهور حالته!!
الحقيقة التي لا ينكرها أحد هي أن التشخيص سليمٌ، فالمرض موجود، ولكن الوصفة منقوصة، بل وخطيرة لدرجة أنها أدت الى زيادة معاناة المريض.
إن ابسط أسسِ التعامل مع العجزِ الماليِ تحتمُ قواعد ثلاث؛ الأولى ضرورة معرفة السبب الرئيس للعجز، هل هو هدر مالي أم تشوه في الإيرادات؟ والثانية: ما هي السبل الأكثر نجاعة في التعامل مع العجز، الحلول السريعة أم التغيرات الهيكلية؟ والثالثة: من أين نسد العجز، من التمويل والاقتراض أم من تحسين البيئة الداخلية وتحصيل ايرادات افضل وأكثر عدالة واستمرارية واستدامة؟ إن الرسائل التي لا بد من توجيهها في هذه العجالة هي أن التشوهات الاقتصادية في مجال الدعم قد انتهت بشكل كبير، وإن المشكلة اليوم في الهدر المالي وأن الحلول السريعة قد استُنفدت ولم يبق في مستوى معيشة المواطن ما يسمح بفرض ضرائب ورسوم إضافية في الوقت الحالي، وإن تمويل العجز يتطلب حلولا تؤدي الى إيرادات جديدة من فئات جديدة.
وهذه الأخيرة هي من شريحتين: الأولى فئة المتهربين وذوي الضرائب العالقة في المحاكم وهؤلاء الحل معهم يكون عبر تحسين مستوى التحصيل منهم عبر تسويات ضريبية جريئة يتم من خلالها إنهاء مشكلة القضايا الضريبية خلال السنوات العشر القادمة بتحصيل مليار دينار (من أصل 2 مليار دينار ذُكر أنها تراكمات ضريبية مستحق 50 % منها قد لا يكون صحيحا)، أي بمبلغ لا يقل عن 100 مليون دينار سنويا. أما الفئة الثانية، وهي الأهم والأكثر استدامة، وتتمثل في تحسين البيئة الاستثمارية بما يساعد على جذب استثمارات جديدة وتوسيع الاستثمارات الحالية مما يعني وظائف جديدة ودافعي ضرائب جددا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام نظري (مواطن)

    الأربعاء 15 شباط / فبراير 2017.
    ما تفضلت به غير صحيح الا في نظريات الكتب