محمد أبو رمان

بل سياسات فاشلة!

تم نشره في الخميس 2 آذار / مارس 2017. 01:09 صباحاً

يكشف تقرير مركز "تمكين" الذي من المفترض أن يصدر الأسبوع المقبل (وفق خبر "الغد" أمس)، عن أوضاع العاملين الوافدين، أرقاماً ووقائع مهمة تؤشر إلى حجم التخبط في السياسات الرسمية في هذا الملف، المرتبط بدرجة كبيرة بالاختلالات في سوق العمل الأردنية.
يذكر التقرير (الذي يحمل عنوان "سياج الغربة") أنّ عدد الموقوفين إدارياً من العمّال الوافدين خلال العام 2015 بلغ قرابة 20 ألف عامل وافد، بينما يقدّر عدد العمّال الوافدين إجمالاً في المملكة بمليون ومائتي ألف عامل، هناك قرابة 315 ألفا منهم (فقط) لديهم تصاريح عمل.
ويشير التقرير إلى أنّ عدد العمّال الوافدين خلال الأعوام 2013-2015، الذين حصلوا على تصاريح عمل، بلغ قرابة 92.500 ألف عامل، قرابة 72 ألفا ذكور، و20.5 ألفا إناث (نسبة كبيرة منهن على ما أظن من عاملات المنازل).
خلال الأعوام الثلاثة نفسها، تمّ تصويب أوضاع قرابة 219 ألف عامل وافد، بكلفة مالية بلغت 62 مليون دينار. في المقابل، إذا كانت كلفة النزيل في مراكز الإصلاح والتأهيل شهرياً 750 ديناراً، فإنّ هناك كلفة أخرى مترتبة على عمليات التوقيف الإداري لآلاف العاملين الوافدين، بخاصة أنّ التقرير أشار إلى وجود اختلالات في عمليات التوقيف.
مثل هذه الأرقام الضخمة للعمالة الوافدة لا تعكس –بأيّ حالٍ من الأحوال- وضعاً طبيعياً أو صحيّاً في مجتمع فتي مثل المجتمع الأردني، يعاني معدلات بطالة مرتفعة، تصل لدى فئة الشباب الأردني إلى 40 %، وفي دولة تعاني من مديونية مرتفعة وعجز كبير في الموازنة، وتخضع لأوضاع اقتصادية صعبة!
هذه المعادلة، بحدّ ذاتها (معدلات مرتفعة من البطالة، وسوق عمل مكتظة بالعمال الوافدين)، هي أحد أكبر الأمراض في الاقتصاد الأردني، وهي موضع تساؤل من قبل المانحين والدبلوماسيين الغربيين. وكل الإجابات من قبل أغلبية المسؤولين لدينا تستند إلى "منطق أعوج" يستبطن فشلاً في الرؤية وعجزاً في التفكير، وتراخياً في إرادة الإصلاح فقط.
أمّا الحديث عن "ثقافة العيب" لدى الأردنيين؛ تلك الشماعة الباهتة التي يرمي عليها المسؤولون دوماً فشل السياسات العامة، فهي كذبة كبيرة لن نصمت عليها بعد اليوم، لأنّك أينما تذهب اليوم في سوق العمل، في المطاعم والمقاهي وحتى خدمات اصطفاف السيارات، وفي "المولات" والمحال التجارية الكبيرة في عمان (وأستطيع أن أذكر لكم عشرات الأمثلة على ذلك)، ستجد شباباً وشابّات أردنيين، نسبة كبيرة منهم في الجامعات يعملون هناك، بأجور قليلة ومحدودة، فقط من أجل تأمين مصاريفهم اليومية.
المشكلة الحقيقية في مكانٍ آخر (غير ثقافة العيب الوهمية!)؛ هي في ثقافة المسؤولين الذين لا يضعون مثل هذه القضية نصب أعينهم، ليبتكروا لنا تصوراً مقنعاً لآليات تجسّر الفجوة بين سوق العمل والشباب، وتلزم القطاع الخاص (في القطاعات الخدمية والسياحية في الحدّ الأدنى) بإعطاء الأولوية للأردنيين، وتقيّدهم بقانون العمل، وساعاته، وبالحدّ الأدنى للأجور، وبالضمان الاجتماعي والتأمين الصحّي، وغيرها من حقوق أساسية للعمّال!
ثمّة ضرورة أيضاً لتعديلات في القوانين والتشريعات لتعزيز بند العقوبات والتشديد على أولوية العامل الأردني، وعلى تعزيز حقوقه في قانون العمل، وعلى الرقابة بصورة عامة. وإذا كان الأمر صعباً، فلنبدأ بقطاعات معينة، ثم نمتد إلى القطاعات الأخرى، مثل القطاعين الخدماتي والسياحي، مع توفير آليات فاعلة وحملة إعلامية لتحقيق ذلك.
تحدثت مع عشرات الشباب الأردنيين الذين يعملون في المطاعم، ويدرسون في الجامعات؛ في تخصصات الطب والهندسة والعلوم الاجتماعية وغيرها، وكم سررت بثقافة هذا الجيل الجديد الذي كسر الحواجز، لكن الحاجز الحقيقي ما يزال في عقول المسؤولين المتذرّعين بحجج خشبية لتغطية تقصيرهم!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ماذا تريد ان تصبح حين تكبر ...؟؟؟ (ابو عبدالله)

    الخميس 2 آذار / مارس 2017.
    حين كنت شابا يافعا كنت اكثر من الاسئلة للصغار – من باب الدفع للطموح – ماذا تريد ان تصبح حين تكبر ...؟؟؟ كانت الاجابات دائما متقاربة ومعهودة وتدور حول المهن التى تلاق احترام الجميع مثل الطبيب والمهندس او المعلم او حتى ضابط الامن او الطيّار ، ولكن في احدى المرات – وهذه قصة حقيقيّة- استوقفتني اجابة غريبة جدا حين قال لي احدهم اريد ان اصبح (مصري) ، مصري ...؟؟؟ ، ويريد هنا ان يكون مثل واحد من اخواننا العمال من مصر الشقيقة - الذين نكنّ لهم كل المحبة والتقدير - والذين يعملون في المزارع او الانشاءات او غيرها من المهن العماليّة المختلفة ...
    نعم ، وكما تفضل الكاتب ، لم تعد (حجج) ثقافة العيب تجدي نفعا او تقنع احدا بانها هي السبب الوحيد وراء (فوضى) العمالة الزائدة او زيادة اسباب البطالة ...؟؟؟ ، وظائف محطات الوقود والمطاعم ووظائف حراس العمارات وحتى وظائف الانشاءات اصبحت تمتليء بالاردنيين الراغبين بالعمل بها ...
    نحن بحاجة الي زيادة اجراءات دخول ومراقبة العمالة الوافدة ، بحاجة الى اجهزة كشف (ميدانيّة) على مواقع العمل المختلفة ، بحاجة الى اعادة تنظيم سوق العمل وحصر التوظيف في مهن معينّة على الاردنيين - رغما عن اصحاب العمل - وربط ذلك بالتراخيص وشروط البناء او انشاء المؤسسات ، بحاجة الى تفعيل كثير من قوانين العمالة ، بحاجة الى دراسات مستفيظة ...
  • »فقراء لا يدخلون الجنة (صبحي داود)

    الخميس 2 آذار / مارس 2017.
    كان الله في عون شبابنا العاطلين عن العمل وذويهم ،حيث أن معظمهم من الطبقة الفقيرة والمتوسطة ، الذين لا حول لهم ولا قوة الا بالله ، فغياب التخطيط السليم من أصحاب المعالي أودى بهم الى الهاوية من جهة ، وتفشي الواسطة والمحسوبية .. فهم الكماشة من جهة أخرى ، وغلاء المعيشة وضيق اليد تجعلهم يدورون في حلقةٍ مغلقة لا نهاية لها ، ألا يوجد نهاية لهذه المُعظلة التي نعاني منها من عدة سنوات ، ما أضيق العيش لولا فُسحة الأمل.
  • »قاتل الله الفقر والبطاله (محمد عوض الطعامنه)

    الخميس 2 آذار / مارس 2017.
    لعل من تعودوا مقارفة الشكوى والتذمر من سلوك العامل الأردني صدعوا اخيراً الى الحقيقة التي تتمثل بالمقولة الشعبيه ( خذ من طين بلادك وحط على خدادك )
    وتفهموا أنه لا يحرث ويفلح البلاد الا اهلها . وأن ّ من يشغل شاب اردني يساهم في مساعدته واهله في تدبير معيشتهم في هذا الزمن الصعب من حياة الأردنين حيث نقرأ ان نسبة الفقر والبطالة تزيد وتستفحل يوماً بعد يوم .
    ولعله جاء الوقت المناسب أن تبادر الحكومة الى حماية هذا الجيل من آفة البطالة بسن قوانين اخرى اشد ردعاً تمنع تشغيل الوافدين بوجود اردنيين من الشباب والبنات المتعطلين عن العمل ، الذين نشاهدهم يتخلون عن ما يسمى بثقافة العيب . ليس هذا فحسب . فقد اصبح من واجبات المدارس والنوادي العامة أن تدعو هؤلاء الشباب للإنخراط في سوق العمل وتثقيفهم بقيمته الإخلاقية والوطنية ، وان تساهم وزارة التربية والتعليم في وضع مناهج وازنة تحث النشأة على العمل على اعتبار أنه قيمة مقدسة تبني الوطن وتساهم في ردم اسباب الفقر والبطالة .
    تعجبني كثيراً عائلة تعرفت عيلها مؤلفة من زوج وزوجته واربعة ابناء ذكران وبنتان . اشاهدهم في كل صباح يغادرون مجتمعين ولما سألت قالوا ان الأب موظف في شركة والأم معلمه وأبنائم الأربعة امتهنوا العمل في المطاعم . بارك الله بمثل هؤلاء وقاتل الله الفقر والبطاله .