الوعي الجمالي/ الثقافة الجمالية: أمي أنموذجاً

تم نشره في الجمعة 24 آذار / مارس 2017. 01:00 صباحاً

معاذ بني عامر

 بواكير يوم من أيام شهر نيسان (أبريل) العام 2015، كنتُ وأمي في حقل الفول الذي زرعَته قبل ذلك بأربعة شهور. وما هي إلا هنيهة من الوقت، إلا وقد شقشقت الشمس ودفقت من مخدعها، وبدأت أشعتها الحليبية تتوهّج فوق تويجات زهر الفول، فحالت تلك التويجات إلى مرايا صغيرة، جَمَّلت ذلك الصباح وأحالته إلى حقل من الشُهب الصغيرة، ملأت الجو عن بكرة أبيه ببياضٍ شفّاف ونادر، أربك البصر والبصيرة؛ فالعيون تُكابد في الخارج مكابدة لذيذة، والذات تُكابد مكابدة لذيذة هي الأخرى في الداخل.
من جهتي، كان هذا المشهد الباذخ مُخزّناً في لاوعيي من أيام الطفولة، إذ قضيتُ وقتاً طويلاً وأنا أتجوّل على رؤوس الجبال؛ لكن الحداثة ومُنجزاتها التي عزلتنا داخل الغُرف والمكاتب، أحالت هذا المشهد إلى أرشيف منسي في أعماقي.
ومن جهة أمي، كان هذا المشهد مشهداً حاضراً في تفاصيل حياتها اليومية، فلم يغب عنها، سواء أكان هو ذاته أو غيره من المشاهد المُشابهة، إلى درجة تعلّقها تعلّقاً شديداً بتفاصيل العالَم الصغيرة، وإن لم يكن لها قدرة على موضعة تلك التفاصيل الجميلة في نص معرفي. فالحداثة بكلّ مغرياتها لم تجعل منها حبيسة الغُرف واللابتوبات والهواتف النقّالة والمقاهي المُغلقة، بل بقيت وفيةً للطبيعة من اللحظة الأولى التي قدمت فيها إلى هذه الحياة، إلى اللحظة الأخيرة التي ودّعتنا فيها وانتقلت إلى العَدَم، فقُبيل شهقتها القصوى كانت تنوي أنْ تُعيد حراثة الحقل وزراعته بالفول من جديد.
في حالتي، التي أمكنني الاصطلاح عليها بـ(الثقافة الجمالية)، كُنتُ قادراً إلى حدّ كبير على استدعاء الجمال ذهنياً، عبر كمٍّ من المراجع التي تناولت موضوع الجمال بالبحث والمدارسة، مثل كتاب (الفن) لـ"كلايف بل"، أو كتاب (الفن خبرة) لـ"جون ديوي"، أو كتاب (الإحساس بالجمال) لـ"جورج سانتيانا"...الخ. أي أنني كُنتُ بحاجةٍ إلى مُعين خارجي لكي استنطق ما هو مُخزّنٌ في داخلي منذ الصِغَر، بما جعل عملية الاستمتاع بالجمال عملية حاذقة، مصطنعة، غير عفوية، وبحاجةٍ إلى مرحلتين لكي أصل إلى حالة النشوة القادرة على إرخاء العقل ونقله من المعرفي الحاذق إلى الجمالي العفوي. فالمشهد الباذخ لإشعاعات الشمس على تويجات زهر الفول، كان بحاجةٍ –كمرحلةٍ أولى- إلى معالجة معرفية مِنِّي، لكي أصل إلى ما هو أعمق، تحديداً لكي أتجاوز المعرفي وأصل إلى مرحلة الوعي بالجمال، كما هو مرحلة ما قبل المعرفة، بصفته جزءاً من سيرورة العلاقة بين الذات والعالَم، سواء أكانت الذات مُثقّفة أم غير مثقّفة.
أما في حالة أمي، التي أمكنني أن اصطلح عليها
بـ (الوعي الجمالي)، فلم تكن بحاجةٍ إلى استدعاء أي شيء، لأنّ وعيها الجمالي لم يتشوّه بالمعرفة حول الجمال، لذا كانت تجربتها مع الحياة –رغم حجم الآلام الكبير، الذي سيُعبّر عنه الشاعر عدنان الصائغ في قصيدته أمي أجمل تعبير، ساعة قال: "لأميَ، مِغزلُها يغزلُ العمرَ خيطاً رفيعاً، من الآه"- تجربة عفوية، صادقة، تأتي دفعة واحدة؛ لذا حرصت أمي على مُعاينة تفاصيل العالَم لمدة 75 عاماً، دون أن تكلّ أو تملّ، فقد كانت معاينة لذاذات الشمس وهي تُشرق على هاتيك الرُبى فوق جبال عجلون، أو همهمات الجو الرطب وهو يرذرذ مطراً خفيفاً على شجرة الرمّان، هي المعادل الموضوعي لبؤس العالم الذي عاينته أمي ومعها جيل كامل، وتجرّعوا فيه آلاماً جساماً، فتلك اللذاذات –وإن لم يكن ثمة قدرة على الحديث عنها بلغةٍ مُثقّفة وفي نصوص معرفية- ألهمتهم فكرة التحايل على بؤس الحياة، بما يختزنون في دواخلهم من صورٍ بديعة لمشهديات طبيعية باذخة الجمال، لا يفتأون يعيدونها المرة تلو الأخرى، مع الحفاظ على بكارتها كل مرة، كما لو كانت المرة الأولى.
ولقد كان لي أن أعاين انقداح شرارة من عينيّ أمي ذاك الصباح من صباحات نيسان الباكرة، فهي في حالة تحفّز كبير لإشعاعات الشمس المنداحة من أعالي السماء، والمُستقرة مثل فراشات صغيرة على تويجات زهر الفول، ومُشكّلةً حقل مرايا يعكس ما في داخل الإنسان من حالةٍ جمالية مُهيأة تماماً، للتفاعل الانبهاري مع إحداثيات الجمال الخارجي. بما يتجاوز الثقافة الجمالية، على اعتبار أسبقية الوعي على الثقافة، لا سيما ارتباط عملية الوعي بالوجود الإنساني في هذا العالم على الإطلاق، فقد كانت حالة الاندهاش بالوجود، حالة مرتبطة بوجود الإنسان، قبل أن يُؤطَّر هذا الاندهاش بنصوص معرفية، فمعاينة الشمس وشقشقاتها اللذيذة صباحاً ومساءً، ومراقبة المطر وهو يهمي أيام الربيع فوق قمم الجبال العالية...، إلى آخر هاته المشاهد المؤثّرة، هي حالات مرتبطة بالوجود إطلاقاً، ولقد كانت مثار انبهار من قبل الإنسان العادي حتى قبل أن يتجلّى معرفياً، بل إن المعرفة –وهذا ما حصل معي ذلك اليوم البهي من أيام نيسان العام 2015- شكلّت عقبة أمام حالة الاندهاش البِكر بين الذات والعالم، فقد كان المرء بحاجةٍ إلى معالجات معرفية وتأطير ذهني لما يحدث أمامه، قبل أن يصل إلى حالة اللذّة التي أمكن لإنسان بسيط أن يصلها دونما معاناة مع معارف تتحدث عنها وتؤطرها جمالياً.
نعم، قد يحتاج المرء معاينة الجَمَال معرفياً، وهذا ما كنتُ قد أشرتُ إليه في مقالة سابقة عنونتها بـ (الجَمَال: المواءمة بين ما هو مسطور في الكتب ومنثور في الأكوان). وقد يكون هذا مناسباً كشيء أكاديمي يُدرَّس في الجامعات، أو كشيء معرفي خالص يسعى عبره الباحث إلى وضع يده على أسباب كل ما هو جميل في هذا العالَم، لغاية فهم العلل الأولى أو العلَة الكُلّية التي انبثقت عنها كل المعلولات الجميلة الزمكانية. لكن وبما أن (الوجود) سابق على (المعرفة)، لذا تبقى فكرة ما اصطلحتُ عليه أعلاه بـ(الوعي الجمالي) أكثر تمثّلاً لفكرة الإدهاش والإبهار، من فكرة ما اصطلحتُ عليه أيضاً بـ(الثقافة الجمالية)، نظراً لانطواء الوعي الجمالي على حالة تفرّد لا تصل إليها فكرة الثقافة الجمالية، لأنه يطال الإنسان على الإطلاق، أنَّى تواجد في الزمن والمكان، في حين أمكن اقتصار الثقافة الجمالية على أناس بعينهم، وإن كانت أكثر صقلاً وتهذيباً، إذا ما قورنت بالهالة المشوهة للوعي الجمالي، بسبب عفويتها الكاملة.

التعليق