"ومن الناس من يعبد الله على حرف"

تم نشره في الجمعة 24 آذار / مارس 2017. 01:10 صباحاً

د. محمد المجالي

الإيمان طمأنينة وقناعة، وتنعكس كل منهما على النفس انقيادا واستسلاما وعطاءً، ومن هنا نفرّق بين مسلم إيجابي وآخر سلبي، فالإيجابي قد سكن الإيمان قلبه وانعكس على جوارحه وتصرفاته، والآخر ربما آمن صورة أو لم يستقر الإيمان في قلبه، فكان أقربَ إلى الصورة والشكل لا الحقيقة والرضا والاطمئنان، فهو قلق متردد غير واثق برب ولا منهج، إلا ما وافق رغباته وهواه.
ذكر الله تعالى في مطلع سورة الحج صنفين من الناس قبل هذا الصنف الذي يعبد الله على حرف، وقبلها كانت الافتتاحية بالأمر بالتقوى وحديث عن الساعة: "يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد"، (الحج:2،1) وهي من الافتتاحيات النادرة في القرآن، حيث نلمس شدة في التحذير وضرورة الإعداد ليوم المعاد، وبعدها يأتي قوله تعالى: "ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتَّبع كل شيطان مريد، كُتِب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير"، (الحج :4,3) هو يجادل بلا علم، وهواه مع الشياطين.
وبعدها يذكر الله تعالى آيات الآخرة والبعث على وجه التحديد، فقد أنكر بعض الناس البعث بعد الموت، في آيات مفصلة، تبدأ بخلق الإنسان وترقيه في مراتب الدنيا ثم عودته إلى الضعف والموت، وهنا يقول الله تعالى: "وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور".(الحج:5-7)
وبعدها الحديث عن صنف آخر من الناس: "ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثاني عِطفه ليضل عن سبيل الله، له في الدنيا خزي، ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق" (الحج 9,8)، فهذا الصنف واضح أنه يسير بلا هدى ولا علم ولا دليل، همّه أن يضل الناس بأنواع الضلالة من شبهات وشهوات وبطش وظلم وخداع، هي رسالته في الحياة، ويشكك ويجادل في الله.
ثم يأتي قوله تعالى في الصنف الثالث من الناس السيئين: "ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، ذلك هو الضلال البعيد، يدعو لَمَن ضرّه أقرب من نفعه، لبئس المولى ولبئس العشير"، (الحج:11 - 13) والحرف هنا هو الحافة، فهو غير مستقر على حالة الإيمان، بل يربط إيمانه بأن ينعِم الله عليه مما يوافق هواه ومصلحته، فإن أصابه خير اطمأن به، ورضي وانقاد والتزم، أما إن أصابته فتنة ما -وكل حياتنا فتن وابتلاءات- فحينها ينقلب على وجهه، يسخط ويعترض ويجادل، حينها يخسر دنياه وآخرته معا، وهو الخسران المبين، ويكشف النص عن حقيقة هذا الصنف بأنه متعلق بغير الله تعالى، ممن لا يضر ولا ينفع، بل يدعو من ضره أقرب من نفعه، فلا يملك الإرادة المطلقة إلا الله وحده سبحانه، له الحكم والأمر، تبارك الله رب العالمين.
هناك أمثلة كثيرة مما يندرج تحت عبادة الله على حرف، فإن مرض أحدهم أو خسر في تجارته أو أصابته مصيبة ما من موت أو حادث أو أي شيء، فحينها يسخط على الله تعالى، ويلومه على ما كان، ويتكلم بعبارات واضح فيها السخط على الله، وليست بلهجة المناجاة أو الانكسار، بل بلهجة اللوم والسخط والاعتراض على مراد الله وحكمته.
مستقِر في ديننا أن الإنسان لا يدري ماذا في الغيب، وربما ما يظنه حسنا هو سيئ، وما يظنه سيئا هو حسن: "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون"،(البقرة:216)  "فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" (النساء:19)، فالعبد لا يدري ماذا وراء ما تعرض له من ابتلاء وشدة، ولا نفع ورخاء، فكله ابتلاء، هذا ليصبر وذاك ليشكر، وهكذا هي الحياة، سراء وضراء.
هذا الصنف الذي يعبد الله على حرف لم يستقر الإيمان فيهم، بل المسألة بالنسبة إليهم مصلحة ليس إلا، هي الأهواء تقودهم لا الإيمان الذي ينبغي أن يكون راسخا، فالمسلم الحق عابد لله تعالى على كل حال لأنه يعلم علما يقينيا أنه الله الخالق الرازق العظيم الرحيم المستحق للعبادة دون غيره، والله تعالى بيّن أن من سنن هذه الحياة الدنيا أنها دار ابتلاء، فيها الضر والنفع، وهو سبحانه يختبر عباده ويعلم منهم ابتداء ماذا هم فاعلون، ولكنه يريد أن يعلم علم مشاهدة يقيم به الحجة على الناس، فحين يقع نفع أو ضر فلا بد من الاستسلام لأمر الله تعالى، فيكون الشكر والصبر، مع الاعتقاد الكامل أن ما كان هو خير، فهو بإرادة الله وحكمته تعالى، وهو ابتلاء منه، فيظهر من سلوكه ما يثبت رضاه بالله تعالى ليرضى عنه.
كثيرون يسخطون على الله بمجرد وقوع الأذى، ولا يدري أحدنا أنه يبتعد عنه تعالى، وأن الشيطان يغويه، ونفسه الضعيفة تأمره بالسوء، وربما أعوان الشر من الإنس أيضا يشجعونه على مسلكه، وهنا يخسر دنياه وآخرته، فقد علّق أمره بهؤلاء، ونسي ربه الغفور الرحيم الحكيم.
المطلوب ثقة بالله مطلقة، ويقين به تعالى، بل رضى بكل ما جاء به، حتى ما يكون من شر فهو خير له، حين يصبر ويتبصَّر بالأمور، فربما كان تنبيها له على شيء سلبي ليصححه، أو تهذيبا لنفسه في أمر ما من تكبر وظن سيئ، أو ردٍّ له إلى الجادة إن كان قد ابتعد قليلا، وفي النهاية فالله يريد به خيرا.

التعليق