طرق لتقليل الغيرة بين الأطفال

تم نشره في الخميس 6 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً

عمان- ينبغي دراسة الأثر الذي تحدثه اتجاهات الأمهات نحو الأطفال، على شعورهم بالغيرة. وقد يتبادر إلى الذهن للتو، ونسرع في الحكم قائلين: إن عدم التكافؤ في حب الأم لاثنين من أطفالها، من العوامل التي تولد المنافسة، وهذا هو الرأي الذي تبينه كثير من قصص الأطفال، والروايات الخيالية، ويردده العديد من الناس، لكن المسألة ليست بهذه البساطة؛ ذلك أنها تثير سؤالاً ماكراً. (هل يوجد بالفعل شيء يمكن أن نسميه الحب المتكافئ؟).
في اعتقادي أن الأمهات الطيبات يتفانين في حب أطفالهن جميعاً على قدم المساواة، غير أنه من المحال أن تستمتع الأم بصحبة اثنين من أطفالها، أو تغتاظ من تصرفاتهما بالطريقة نفسها تماماً في كلتا الحالتين، لذلك لا ينبغي أن تحاول الأم معاملة الاثنين المعاملة نفسها بالضبط، فتعطي كلاً منهما لحظات الاهتمام نفسها، وعدد البسمات نفسه، وعدد التجهمات نفسه. فالأطفال والبالغون على حد سواء، لا تخدعهم الاتجاهات المغتصبة المتكلفة، فهم على المدى البعيد، لا يحبون أن تعقد مقارنات بينهم وبين غيرهم، سواء أكانت هذه المقارنة في صالحهم، أو في غير صالحهم، إن أكثر ما يرغب فيه الطفل، في رأيي، هو أن يحبه والداه، ويستمتعا بصحبته لذاته هو، فإذا تأكد في أعماقه أن له مكانة متميزة في قلب أمه، فإنه لا يبالي كثيراً بالمكانة التي يشغلها إخوانه وأخواته في قلبها، ما لم تدأب الأم على عقد المقارنات بين مكانة الأطفال عندها، أو التهديد بأن تنبذ أحدهم من مكانه في قلبها، هذا هو في رأيي جوهر المشكلة بمعالجة الغيرة أو معظمها بين الأطفال.
أحيانا يقوم بعض الآباء حين يلحظ أن أحد أطفاله يشعر بالغيرة والحنقة كلما لعب مع طفله الآخر، على إثارة غيرة ذلك الطفل أكثر وخصوصا أمام الزائرين، وهكذا فالغيرة تأكل ذلك، وتنهش من كبريائه، فيكتم ذلك حتى يسنح له أول فرصة للاعتداء على شقيقه وضربه. وهكذا نرى أن الأب سعى لتأجيج نار الغيرة بين أطفاله، شأنه في ذلك شأن من يستنبت الطفيليات في المعمل.
وإن أسهل الطرق التي تثير فيها الأم غيرة الطفل هي أن تدأب على المقارنة بينه وبين أخيه مؤثرة أخاه عليه، فهذا سلاح ذو حدين؛ إذ يثير في الطفل إحساساً قاطعاً بأنه منبوذ من الأم، ويخلق لديه شعوراً بالحنق على أخيه، لأن أمه تجاهر بإيثارها له.
في حين تلجأ بعض الأمهات إلى نوع آخر من المقارنات على اعتقاد أنه يمنع الغيرة، مع أنه يثيرها في الواقع، فهن يحاولن قدر طاقتهن أن يقدمن الهدايا نفسها بالضبط، ويمنحن الامتيازات نفسها بالضبط لأطفالهن جميعاً بلا استثناء، أو على الأقل لأولئك المتقاربين في السن، وفضلاً عن ذلك من المحتمل أن يوجهن نظر الأطفال إلى المساواة في المعاملة، فإذا حصل أحد الأولاد على سيارة زرقاء (لعبة)، يحصل الآخر على سيارة زرقاء، وإذا حصلت إحدى البنات على معطف جديد للشتاء، تحصل الأخرى على مثله، حتى ولو لم تكن في حاجة إليه بالفعل.
بيد أن السؤال الذي يجب أن نوجهه بحدة لمثل هؤلاء الأمهات هو: هل يقلل مثل هذا الأسلوب "الشرعي" في العدل بين الأطفال من حدة المنافسة بينهم، ورأيي الخاص أنه لا يقلل منها بالطبع، بل إن الأمهات اللائي لجأن إلى هذا الأسلوب، أو أرغمن عليه تحت ضغط مطالب أطفالهن، هن أول من يعترف بأن هؤلاء الأطفال لا يكفون عن مراقبة بعضهم بعضاً طيلة النهار، وعن مراقبة آبائهم وأمهاتهم كي يتأكدوا أن أحدهم لم يأخذ ولم يعط له ميزة معينة في الخفاء، وأنهم لا يكفون عن المشاحنات الصاخبة.
إني أقول للأم التي تحاول مضنية أن تلتزم جانب العدالة بكل دقة وأمانة: لا تحسبي أنك مضطرة لشراء اللعب نفسها للغلامين، (ما لم تكن هناك أسباب قوية من الناحية العملية)، فإذا رفعا أو رفع أحدهما صوته بالتذمر والشكوى فقولي لهما: إنك سترجعين كلتا اللعبتين إلى المحل لو سمعت كلمة أخرى تبدو منهما، ولئن اعترضتك ابنتك لأنك لم تقومي بشراء معطف جديد لها مثل أختها، فما عليك إلا أن تذكريها بأنها ليست بحاجة بعد إلى معطف جديد، وإذا احتدم الجدال بين الأطفال على أماكن جلوسهم أثناء تناول الوجبات، فقولي لهم: إن كل فرد سوف يستمر في الجلوس حيث اعتاد أن يجلس دائماً، إن إضافة هذه النغمة الحازمة ضرورية جدّاً لنبرات الأم على أن يعقبها ثبات على ما تقول وعدم تراجع.
ولكي يتوفر الجو المناسب لنمو الطفل وبناء شخصيته، يقدم عدد من الخبراء النصائح الآتية للوالدين على الأم أن تشجع أطفالها على المشاركة في شؤون الأسرة، وتهيئة الفرصة لهم لكي يتحملوا المسؤولية التي تتناسب مع مستوى أعمارهم. فالطفل قبل سن الدراسة يمكن أن يحافظ على لعبه ويحتفظ بها في مكانها، ويمكن أن يعلق ملابسه إذا كان يتمكن من الوصول إلى المشجب، ويمكن أن يكلف بشراء بعض الحاجيات القادر على حملها، ومحاسبة البائع ودفع الثمن.
ويمكن أن يرافق في زيارة صديق أو مريض في البيت أو المستشفى، فهذه خبرات يجب أن يتعود عليها وأن يمارسها، ويتفهم بأنها واجبات تواصل.
ولا بأس من أخذ رأيه في موضوع يهم الأسرة، كشراء قطعة أثاث، أو في رحلة نرغب في القيام بها ونكلفه وإخوانه بالإعداد لها.
مثل هذه الأعمال تشعره بأنه فرد وله قيمته في الأسرة، يعامل كما يعامل الكبار، ويؤخذ رأيه، وتوكل له مهمات، وهذا ينمي مهاراته ويزيد في خبراته، ويبني شخصيته، ويريح نفسيته، ويجعله أكثر تقبلاً للتوجيهات، كما يساعد على بنيانه الجسدي والنفسي والاجتماعي والمعنوي، وهو عضو مشارك وفاعل في أسرته ومجتمعه.
ولا غضاضة في أن تعترفي بخطئك إذا أخطأت، واعملي على تسويتها بأسرع وقت، فأنت القدوة في هذا لولدك، وإلا فكيف سيتعلم بأن الإنسان يصيب ويخطئ، ومن خطئه يتعلم وبالتوجيه يصحح مساره.
وعندما يغضب الآباء والأمهات بعد أن يستنفدوا كل حيلة، يعاقبون أولادهم عقوبات قاسية، وغير مناسبة، وحجم العقوبة في معظم الأحيان أكبر بكثير من حجم الخطأ، وبعد أن يهدأوا، يحسون بأن عاصفة غضب أوقعتهم في خطأ كبير، ومع ذلك يكابرون ويخشون التراجع أمام الأبناء لكي لا يعد هذا ضعفاً.
ضعي في ذهنك أن من أسباب تحدي أبنائك لسلطتك هي رغبتهم في تأكيد ذاتهم بأنهم كبروا، وأصبحوا قادرين على فعل كل شيء، فضعي سلطتك جانباً، ولكن حذارِ أن تتنازلي عن سلطتك مهما كانت الظروف، لأنه إذا ضاعت هيبتك فقدت كل أسباب الإمساك بزمام القيادة التربوية لبيتك وأولادك. ومع كل هذا عليك أن تشركيهم في معرفة الأسباب التي جعلتك تتخذين قرارات تغضبهم، وأوضحي لهم الإيجابيات التي سيحبونها والسلبيات التي كانت ستنعكس عليهم فيما لو استمروا في طريق الخطأ.

عبد العزيز الخضراء

التعليق