علاء الدين أبو زينة

حوادث السير: نزاع أهلي..؟!

تم نشره في الأربعاء 19 نيسان / أبريل 2017. 11:07 مـساءً

تقول الأرقام إن حوادث السير في الأردن قتلت أكثر من 700 مواطن وأصابت أكثر من 17.000 آخرين في العام 2016 وحده. ويقع حادث سير في البلد كل أقل من 4 ثوان، ويتوفى شخص بحادث سير كل 13 ساعة. ويعني مجموع 17.700 ضحية لحوادث السير سنوياً سقوط مواطنين أكثر من خسائر بعض الصراعات الأهلية في العالم. وكما في الصراع الأهلي، يسقط ضحايا حوادث بسبب تصرفات عنيفة في الحقيقة، يرتبكونها هم أنفسهم أو غيرهم. وأصبحنا نسمع ونشعر دائماً بأن المواطنين يتوترون لمجرد استخدام الطريق يومياً. ومن السيئ بما يكفي أن يكون التحرك اليومي الضروري على طرقنا مصدراً للقلق في حد ذاته، مثلما يشعر المتنقل في منطقة حرب أهلية.
إحدى العقبات أمام حل المشكلة هو عدم التوافق الظاهر بين المواطن والجهات المسؤولة على تعريف أسباب المشكلة، والمسؤولية عنها، وسبل التشارك في حلها. وفي حين أن للجميع مصلحة أكيدة في تطبيق قوانين السير بحزم وتغليظ العقوبات على المخالفين، يخلط مواطنون بين تطبيق قانون مفيد وبين جباية الأموال من جيب المواطن. ويتذرع المواطنون بمسوغات محقة لبعض المخالفات: عدم وجود أماكن اصطفاف حيث يجب؛ سوء حالة الطرق ولوجستيات السلامة في كثير من الأحيان؛ عدم وجود نقل عام ولائق يخفف العبء عن الطريق؛ وكذلك المزاجية في تطبيق المخالفات وعدم دقتها. وفي الحقيقة، نمر بأماكن يفرض تصميمها تقاطع السير على شكل X، وكأنها تدعوك بذراعين مفتوحين إلى الاشتراك في حادث، أو بشوارع بلا أضواء ولا عاكسات ولا مسارب، أو مليئة بالفخاخ.
أصل الأمور أن يكون تطبيق نظام سير صارم ونشر الكاميرات وضبط المخالفين مطلباً شعبياً، لأن المتضرر المباشر من الحوادث التي تنجم عن المخالفات هم المواطنون وأبناؤهم. ويجب أن تكون القاعدة المنطقية التي يعرضها القانون هنا: "لا تُخالف فقط، ولن يكون هناك سبب لمعاقبتك بغرامة ولا غيرها". وفي الوضع المثالي، يجب أن تضمن الحكومة الشروط لكي تستطيع أن تقول للمواطن: "وفّرنا لك طرقاً محترمة مخدومة، ومواقف ومسارب تساعدك في ضبط حركتك، ونقول لك إنك مراقب بالكاميرات وغيرها، ولديك نظام نقل رخيص وآمن، ونحن نضمن تدريبك وتعريفك بقواعد السياقة والمخالفات وأصول استخدام الطريق. فأي عذر لك لكي تخالف"؟!
بقدر ما يبدو هذا معقولاً، فإنه ما يزال يراوح في منطقة عمياء، لأن الثقة غير موجودة في النوايا. والنتيجة خسارة للجميع على المستوى الوطني. لا يمكن أن تعادل أي مبالغ مستوفاة من مخالفات السير بأي شكل فقدان أكثر من 17.000 مواطن أرواحهم أو أطرافهم أو انسيابية حياتهم. ولا يمكن أن يساوي أي مبلغ مجرد الإضافة إلى شعور الناس بالقلق وهم يتنقلون على الطرق إلى أعمالهم أو لتدبير شؤونهم اليومية.
لا يستطيع أي شيء أن يبرر تحطيم مواطنين لكاميرات مراقبة السرعة، لأن النتيجة المباشرة لذلك هي تشجيع الذات والآخرين على السير بسرعة تضمن الحوادث القاتلة. ويشير هذا النوع من السلوك إلى إصابة الإدراك بالخلط المرَضي بين ما يفيد المواطن وما يغيظ المسؤول. ولا ينفصل هذا عن منظومة السلوك المؤذية للذات على الطرق. إنك لا تسير مائة متر دون أن ترى أكثر من سائق يستخدم هاتفه النقال أثناء القيادة، أو يقطع الإشارة، أو يتجاوز مواطنيه بتهور، أو يقود بطريقة تجعل المشاة على الطريق ضحايا محتملين للدهس في أي لحظة. وهذه كلها وصفات لإيذاء صاحبها وغيره بلا أي داعٍ ولا منطق.
إذا كان المواطن لا يدرك بأن هذه التصرفات لا تختلف في شكلها ونتيجتها عن عدوانية الذي يخوض حرباً أهلية ضد مواطنيه، فإن هناك خللاً كبيراً في كل شيء: في التربية والتعليم؛ في تقدير قيمة القانون؛ في منظومة القيم والأخلاق؛ وربما الأهم، في نوعية العقد الاجتماعي الشعبي والرسمي، الذي يفترض أن يضمن ترتيب السلوك على أسس تحقيق السلامة والأمن والمصلحة. وما لم نصل إلى الجدية في معالجة حوادث السير كمشكلة وطنية ونقدر أبعادها القاتلة، ونحدد مسؤوليتنا عنها كأفراد ومسؤولين، ونتحمل حصتنا منها، فسوف نظل نحن وأبناؤنا مشاريع ضحايا لحوادث من أي نوع، يمكن أن تقع في أي لحظة على الطريق!

التعليق