الصراع على الباطل: في التأسيس لأركيولوجيا أخلاقية

تم نشره في الجمعة 21 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

في الحديث عن فكرتي (الباطل) و(الحقّ)، لا بُدّ من استدراك عدّة أمور، لكي تكون الصورة أكثر جلاء ووضوحاً:
1 - تبدو أطروحة (الصراع على الباطل) أطروحة غير عقلانية، إذا ما قورنت بفكرة (الصراع على الحقّ)، لا سيما إذا تمَّ إخضاعها للتقاليد العريقة لموضوعة الحق، والتأصيلات المعرفية التي حظيت بها فكرة الحق، سواء في المُدونة الدينية أو في المُدونة الفلسفية.
2 - يبدو وكأن (الباطل) يمثّل جانب الشر عند الإنسان، في حين يمثّل (الحقّ) فكرة الخير عند الإنسان، لذا حظي الأول بذمٍّ متواصل، في حين حظي الثاني بـ مديح متواصل. ولربما كان لهذا أثر واضح في ترسيخ تقاليد عريقة في المُدونتين الدينية والفلسفية عن الحقّ، مقابل مدونة بالكاد تذكر عن الباطل.
3 -يتمظهر (الحقّ) في الاجتماع الإنساني كمتنٍ أصيل وعظيم الفائدة، في حين يتمظهر (الباطل) كهامشٍ جانبي وعديم الفائدة.
دعونا نقلب الآية:
1 - تبدو أطروحة (الصراع على الباطل) أطروحة مُتجاوزة للعقل، أو هي في مرتبة أجلّ وأرقى من مرحلة العقل، أعني انسجامها ليس مع مقتضيات العقل البشري فحسب، فهي لا تكتفي بتفعيل الجدل العقلي بإزاء مشكلة الأفعال الإنسانية، ومحاولة البحث عن مواضعات ذهنية لها، بل هي متموضعة في مرتبة الضمير الإنساني أيضاً، وهذا ما يمنحها جلالها ورقيها، وتجاوزها للعقل المُجرَّد، لأنها تبحث في فكرة البحث عن أخطاء الذات، ومحاولة التعديل المُستمر عليها، وليس البحث في أخطاء الآخرين، والتعييب عليها دائماً أبداً، على اعتبار أنّ الباطل جزء من كينونة الآخر، في حين أن كينونة الذات كينونةً طاهرة بالمرة.
2 - تبدو فكرة مُلازمَة الخير للحق، والشرّ للباطل، فكرة مُخاتلة ومخادعة إلى حدّ كبير، فقد يكون هذا الختل وهذا الخداع قد نتج عن الضخّ الكبير لمُعادلة (الحقّ = الخير --- الباطل = الشرّ)، وتكرار هذه المعادلة –المرة تلو الأخرى- على مدار آلاف مؤلّفة من السنين. وقد يأخذ هذا البُعد الخداعي الذي أشرتُ إليه، صيغة أكثر قابلية للتطبيق الواقعي، إذا ما عرفنا أن فكرة الصِدام –سواء أكان عقلياً أو واقعياً- كانت دائماً بفعل الحقّ، لا بفعل الباطل، أي أن التنافر والتنابذ بين بني البشر على المستوى العقلي، وما رافق هذا التنابذ الذهني من تقاتلٍ وسفك للدماء على أرض الواقع، كان جزء كبير منها لأناس أبرياء.
3 -لربما شكّل الباطل أساساً عكسياً في المعمار الوجودي للإنسان، بما يجعل منه متناً، وليس مجرد هامش، فالصراع على الحق مُساوٍ تماماً لفكرة الصراع على الباطل، لا سيما إذا ما عرفنا أن الحقّ يتغذّى على الباطل، كما الباطل يتغذى على الحق، ضمن معايير طهارة الذات ونجاسة الآخر. لذا أينما حلَّ حقُّ الذات حلَّ معه باطلُ الاخر، بما يجعل منهما متنين أصيلين، سواء بسواء، لا متن وهامش.
دعونا –مرة أخرى- نُعيد ترتيب الأمور، بطريقةٍ تليق بالباطل كما أطرحه هَهُنا، بعيداً عن مواضعاته القارّة في أذهان الناس، لناحية اقترانه بالشرّ؛ لذا ينبغي الابتعاد عنه، لأنه يضرّ بمسلكية الإنسان المعرفية ويحطّ من قيمته الأخلاقية.
الباطل كما أطرحه هَهُنا لا يقابل الحقّ كفكرةٍ نِدية، بحيث نُعيد إنتاج الأفكار أعلاه، تحديداً التي وردت في بداية مقالتي. وإذا كان لي أن اختصره - بما يستلزمه هذا الاختصار من جدلٍ مُتنامٍ ودؤوب، ليس مني وحدي بل من الكُلّ، لا سيما مِمّن لديهم اشتغالات معرفية لتطوير الإنسان أخلاقياً-، فإني أقول:
الباطل المُقترح هَهُنا هو بحثٌ دائم ومتواصل عن أخطاء الذات، لغاية الحدّ منها، لذا هو بمثابة الأركيولوجيا الأخلاقية، لناحية تبصّر الذات والتنقيب في داخلها عن كلّ ما من شأنه أن يضرّ بالإنسان، فهو يشتغل على فكرة تطهير الذات، لا على فكرة تطهير الآخر. فالانشغال الكبير الذي يضطلع به هذا الباطل المقترح، هو انشغال جوّاني بالدرجة الأولى، لناحية تطهيرها من كلّ الشوائب والعوالق والأشنّات التي تعيق مسيرتها الإنسانية. فالكفاح الأساسي في تداعيات الباطل الذي اقترحهُ هو كفاحٌ بإزاء الذات، لذا سيتجلّى على هيئة تحرير لهذه الذات من نواياها السيئة تجاه الآخر، فالأخطاء التي سيلاحظها لدى الآخر، سيكون قد لاحظها لدى ذاته أولاً، وعمل على التطهّر منها، بما يمنع اندفاعته السلبية تجاه الآخر، سواءً في مقام الفكر أو في مقام الواقع، بما يُثبّت الإنسان في العالَم كنسقٍ اخلاقي، فالحفر الأخلاقي داخل الذات، وذلك ليس بالتنقيب عن المعادن النفيسة فيها، بل المعادن الخسيسة، لغاية التخلّص منها، بحيث يتحوّل الإنسان بالتقادم إلى معدن نفيس، لا هَمَّ له هُنا والآن، إلا الصالح الإنساني، والارتقاء به وهو يتدافع لبناء الحضارة الإنسانية.
وعليه، فالحفرية التي تشتغل عليها أطروحة الباطل الذي اقترحه هنا، هي حفرية أخلاقية بالدرجة الأولى، فهي لا تتجّه إلى العالَم إلا كمرحلةٍ لاحقة، ليس لغاية الخصام والصدام معه، بل لأجل التواصل معه تواصلاً حميماً، يُفْضِي إلى جعل الإنساناً إنساناً بكلّ معنى الكلمة، بحيث يجعل من الإنسان على إطلاقه، الإنسان المُغاير له في الرَحِم الأمومي، الأسرة، المجتمع، الوطن، القومية، الأيديولوجية، الطائفة، العقيدة... شريكاً في المُنجَز الحضاري الخيِّر، سواء في المُدخلات أو المُخرجات.
وأنا إذ اقترح صراعاً على الباطل، بصفته حفرية أخلاقية أساساً، فلأني أعي تماماً أن التطوّر الكبير للإنسان في هذا العالَم، ليس ذلك التطوّر المعرفي الذي جعل منه كائناً عاقلاً بلغة الفلاسفة، بل هو التطوّر الأخلاقي، الذي يمكن أن يجعل منه مُنافساً نبيلاً على الإنسانية أساساً، فالحِراك الذي يتحرّك به الصراع على الباطل كما أقترحه، هو حِراك إنساني بالدرجة الأولى، ولا يجعل من الإنسان أكثر تميّزاً عن الحيوانات، وذلك بأنسنة وحشيته وغرائزه غير العاقلة، بل تجعله مائزاً على المستوى الإنساني، فهو يتحرّك ضمن نسقية (أكثر/ أقل) الإنسانية، لا ضمن نسقية (أكثر إنسانية/ أقل حيوانية)، بما يتحايل تحايلاً عبقرياً على فكرة إراقة الدماء وهدر حيوات الناس، وفرزهم إلى أخيار وأشرار. فهو يشتغل لتطوير ذاته، وذلك بتطهيرها من كل عوالقها، بما يؤدي إلى تخلّصه من عوالق وأشنّات الآخر في الوقت ذاته، فلا يعود ثمة وقت للكراهية والحقد وإراقة الدماء، بل الوقت لمزاحمة الناس مزاحمة إيجابية تصبّ في صالحهم أولا  وأخيراً.

التعليق