السوريون حكيمون في عدم اتكالهم على "أبو إيفانكا"

تم نشره في الجمعة 21 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً
  • مقاتلون في أحد فصائل الثورة السورية -(أرشيفية)

مايكل فايس - (ديلي بيست) 11/4/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يبدو أن السوريين تعلموا في نهاية المطاف أهم درس في الجغرافيا السياسية: متى يكونون متشائمين ومتشككين في النوايا الأميركية.
الضربات الجوية التي وجهتها إدارة الرئيس ترامب إلى قاعدة الشعيرات الجوية التابعة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، بعد توجيه الاتهام له باستخدام غاز السارين الكيميائي ضد مواطني خان شيخون، أعقبها موجة من البهجة الفورية من جانب الثوار والناشطين المعادين للأسد. وشرع البعض في الإشارة إلى دونالد ترامب باسم "أبو إيفانكا الأميركي" بطريقة فيها الكثير من الإعجاب.
وهناك آخرون أطلقوا اسمه على مطاعمهم تيمناً في مدينة كوباني (عين العرب) المحررة، دافعين من دون شك الفريق القانوني في "مؤسسة ترامب" للبحث عن ترجمات عربية لاتفاقيات أخذ الاسم من دون ترخيص. وثمة صديق أميركي–سوري كان قد انضم إلى حملة ترشيح باراك أوباما للرئاسة في العام 2008، لكنه أصبح يشعر بحنق متزايد منذئذٍ، إذا لم يكن قد أصبح أصبح متشككاً سياسياً، مع مرور الوقت وقتل نصف مليون شخص من بني وطنه، والذي كتب: "البرتقالي هو الأسود الجديد" في وقت متأخر من ليلة الخميس التي شهدت بث صور صواريخ توماهوك بينما تطلق من مدمرتين أميركيتين في البحر الأبيض المتوسط على القاعدة السورية على شاشات شبكة "سي. أن. أن" التلفزيونية الأميركية على الهواء مباشرة، والتي جعلت بريان وليامز يبدو مستثاراً على شبكة "أم. أس. أن. بي. سي".
كنت قد شاهدت تصعيداً مماثلاً تبعه هبوط مفاجئ ومذهل من قبل في أيلول (سبتمبر) من العام 2013، عندما بدا الأمر وكأن أوباما على وشك الرد على استخدام النظام السوري غاز السارين في ضاحية الغوطة الشرقية من أعمال دمشق. وكنت وقتها قد ترجلت تواً في إسطنبول بعد رحلة طيران طويلة عبر الأطلسي، متوقعاً أن أقوم حرب لم تندلع أبداً. وبدلاً من ذلك، أعلنت كل الصحف أنه سيكون هناك سلام في زمننا. لقد أنقذ الرئيس الأميركي البلد من تدخل متهور وطائش آخر في منطقة مشتعلة، من خلال التوصل إلى صفقة مع نظيره الروسي تقضي بتخليص سورية من كل مخزوناتها من الأسلحة الكيميائية. وسوف يذهب جون كيري لاحقاً من مقارنة الأسد بهتلر إلى امتداحه على "مهنيته" في نزع الأسلحة المحرمة، وهو تقييم يبدو أنه سابق لأوانه عندما ننظر إليه الآن. وهكذا، تغيرت مهمتي في جنوبي تركيا إلى رسم صورة لرد فعل الثوار على إدارة الوجه عنهم.
لم يسبق لهذا العدد الكبير من الرجال الملتحين المسلحين أن تحولوا من الجدية والتوقع إلى الغضب والاستياء بهذه السرعة. لقد قامت الولايات المتحدة، كما أصبح المزاج في داخل ثكنات الجيش السوري الحر في أنطاكيا، بخيانتنا مرة أخرى. إذا لم يكن رش 1400 شخص بغاز الأعصاب ليقنع باراك أوباما بتوجيه ضربات جوية "صغيرة بشكل لا يصدق" ضد الجاني، كما طرح كيري المسألة أمام الكونغرس، فإنه ليس هناك أي شيء آخر يمكنه إقناعه. والآن، لم يتبق أي شيء يمكن فعله سوى القتال بكل السبل الضرورية، ولتذهب أميركا إلى الجحيم.
في الأثناء، ارتاح الجهاديون بشكل مفهوم لحالة الإحباط والاكتئاب التي حلت برفاقهم المعتدلين، لأنهم لطالما حاولوا إقناعهم لسنوات بأن أميركا وحلف الناتو لا يقفان إلى جانبهم في هذا القتال. (بعد عام، اجتاح تنظيم "داعش" مدينة الموصل، وبدد آمال وتوقعات أوباما بأنه سيكون أول قائد عام للقوات الأميركية المسلحة يخفض وإلى الأبد "موطئ قدم" أميركا في الشرق الأوسط).
وهكذا، لك أن تتخيل كم كنت مرتاحاً لاكتشافي أن المعارضة السورية تعلمت شيئاً أو اثنين عن النزعة الاستثنائية الأميركية منذ ذلك الحين.
ربما لأن تدخل ترامب الإنساني في سورية انتهى حتى قبل أن يتأكد أحد من أنه بدأ، يرفض العديد من مقاتلي الثوار ومنظمي الحملات الإعلامية أن ينخدعوا هذه المرة أيضاً. وبينما من الصحيح أن كل الذين عانوا من حملة الإفناء البعثية-الإيرانية-الروسية، يتأملون إمكانية أن يواصل ترامب ما بدأه -حتى لو كان الثوار المدعومون من الولايات المتحدة غير مستعدين تماماً لتحرير شيكات لا يستطيعون صرفها في ميدان المعركة.
قال الرائد جميل صالح، القائد في "جيش العزة" الذي يعمل في محافظات إدلب وحماة وحمص لمجلة "الديلي بيست" يوم الاثنين الذي تلا الضربة الأميركية: "حتى هذه اللحظة لا يوجد أي تغيير أو زيادة في الدعم من حلفائنا. لم يتصل بنا أحد على الإطلاق ليقول أنها ستكون هناك زيادة في الدعم".
وأشار صالح إلى أن رجاله ما يزالون يتلقون إمدادات منتظمة من صواريخ تاو الموجهة سلكياً والمقاومة للدبابات، السلاح المستخدم لبرنامج وكالة المخابرات المركزية الأميركية "اوبريشن سيكامور تيمبر"، أو برنامجها (ليس بالغ السرية) لتسليح مجموعات الجيش السوري الحر. لكن "جيش العزة" لا ينتظر من واشنطن تقديم أي شيء آخر. ولا يعود الفضل في هجوم مضاد مؤثر شنه الثوار مؤخراً في حماة إلى تحويل الولايات المتحدة سياستها، وإنما إلى كون الأسد لم يحول سياسته، وفق صالح. وقال صالح: "لقد ارتفعت معنويات المقاتلين على الأرض بسبب الفظاعات التي يرتكبها النظام. وليس لديهم من خيار آخر سوى القتال حتى الموت. إنهم لا يستطيعون المجازفة بالخسارة".
معظم هؤلاء السوريين –المسرورين كما هو حالهم لأنهم يقولون إنهم يتطلعون لرؤية أي شيء على الإطلاق يتم عمله لإعاقة آلة القتل التي لدى الأسد- ليسوا معجبين صراحة بالتمييز الضمني بين الذبح بالسلاح الكيميائي أو الذبح بأي وسائل أخرى عديدة يتوافر عليها النظام وشركاؤه.
بيّن بهاء الحلبي، الناشط الإعلامي المتمركز حالياً في محافظة حلب، هذه النقطة بوضوح لمجلة "الديلي بيست" بطريقة شخصية صادمة، حيث قال في رسالة على وسيلة التواصل الاجتماعي "واتسب" يوم الاثنين قبل الماضي: "لقد استشهد والدي بضربة جوية استخدمت ذخائر عنقودية محظورة دولياً. فهل كان مقتل والدي طبيعياً لأنه لم يكن قد حدث نتيجة لاستخدام سلاح كيميائي".
وفي وصف للمزاج العام السائد لدى المواطنين المحليين في ضاحيته، قال الحلبي: "بأمانة، لم يعد الناس يصدقون أي وعود... عندما تبدأ الضربات بطريقة كثيفة على قواعد الأسد وتلك الميليشات الإرهابية التي تدعمه، سوف تكون هناك بهجة عظيمة بين الناس".
على نحو مشابه، أجرت شبكة التلفزيون الأميركية "سي. أن. أن" مقابلة يوم الجمعة الماضة مع عبد الكافي الحمدو، المواطن السابق في شرق حلب الذي استولى عليه النظام وروسيا وإيران قبل شهرين، والمقيم حالياً في إدلب، فتساءل: "ما فائدة هذه الضربات؟ إنها رسالة سياسية. إنها رسالة تحذير، نعم. لكنها رسالة شعبوية. يحاول ترامب أن يحظى بالشعبية لدى الأميركيين من خلال توجيه ضربات كهذه... لكنها لا تحقق ما يريده المدنيون السوريون وما يريده هؤلاء الناس الأبرياء".
أعد هادي العبد الله، الصحفي التابع للمعارضة، والذي نجا من عدة ضربات جوية ومحاولات اغتيال، تقرير فيديو من قلب خان شيخون يوم الجمعة. ولم يكن أي من السكان العشرين أو نحو ذلك من الذين قابلهم يبدو تحت تأثير أي أوهام. وقال له سائق سيارة: "لقد تلقينا هذه الأخبار بنوع من البهجة.... لكنها ليست كافية بطبيعة الحال. نأمل أن يستهدف المجتمع الدولي كل القواعد الجوية". وأضاف رجل على دراجة نارية: "الضربات جيدة، لكنها لن تضعف النظام لأنه لديه العديد من القواعد الجوية".
كان اثنان من الذين قابلهم عبد الله غير متأثرين بكل وضوح. وقال الأول منهما: "ما سيؤثر على النظام، سيكون توجيه ضربات إما على الساحل، قاعدة حميميم، أو دمشق". وأضاف الرجل الثاني، مشاركاً في التغطية التي ستذاع في نهاية الأسبوع: "لقد استخدم النظام الأسلحة الكيميائية بعد تلقيه ضوءاً أخضر من روسيا، ولم تضرب أميركا النظام إلا بعد أن أخطرت روسيا؛ إنه شأن داخلي".
وقال رجل آخر: "نأمل أن لا يكون الأمر مجرد مسرحية... قبل هذه المرة شاهدنا سفن البحرية متجهة إلى البحر الأبيض المتوسط وكأنها تستعد لضرب النظام، وتبين أن ذلك مجرد كذبة. وهذه المرة يمكن أن تكون كذبة مرة أخرى: مجرد تمثيلية". ومن غير المرجح أن رسالته التي وجهها إلى ترامب ستُسمع: "لا تجعلوا الأمر مسرحية ولا تكذبوا علينا... لم نعد نثق بأحد في هذا العالم كله". وكان عبد الله قد أجرى استطلاعاً على شبكة التواصل الاجتماعي "تويتر" قبل الضربة الأميركية، وسأل متتبعيه العرب في أغلبهم: "مع تصاعد البيانات الأميركية، هل تتوقعون أي ضربة أميركية لإسقاط نظام الأسد بعد المجزرة الكيميائية في خان شيخون"؟ وكانت الإجابة: "43 في المائة" قالوا أنها "ستكون هناك ضربات محدودة"، بينما قالت نسبة 37 في المائة "لا"، و20 في المائة قالوا "نعم".
تستحق وزارة الدفاع الأميركية الثناء على إدارة التوقعات. فقد أعلنت أن القصف خلال الليل لقاعدة جوية واحدة لم يكن تمهيداً لعمل أوسع، وإنما هي "رد متناسب"، و"واحد وكفى"، على الرغم من أن هذا الواحد خفض القدرة التشغيلية لطيران الأسد بواقع الخُمس كما يبدو. وقال مسيول رفيع في الإدارة لمجلة "الديلي بيست" أنه لم يتقرر بعد في البيت الأبيض ما إذا كان سيتم القيام بالمزيد من العمل العسكري ضد النظام، لكنه أوضح أن الهجوم بصواريخ كروز استهدف ردع النظام عن استخدام الأسلحة الكيميائية فقط -وليس بالضرورة وقف الأسد عن استخدام أسلحته التقليدية للقتل الجمعي والتشريد.
كان شين سبايسر هو الوحيد الذي استطاع تحويل خط ترامب الأحمر الخاص إلى رسم لجاكسون بولوك. وقال في إيجازه الصحفي اليومي:"إنك إذا استخدمت الغاز ضد طفل، وإذا قصفت أناساً أبرياء بقنابل البراميل، أعتقد أنك سترى رداً من هذا الرئيس". وذكر سبايسر قنابل البراميل ثلاث مرات، مشيراً إلى أن واحدة من الذخائر البدائية المستخدمة غالباً في حرب الأسد كانت أيضاً مغيراً للعبة، قبل أن يضيف أن هذه الحكومة لن "ترسل برقية رد على كل عمل مشابه، لأن ذلك يقول للعدو ماذا ستفعل وما إذا كان ذلك الرد جديراً للقيام به أم غير جدير".
أن تأتي الضربات من الإدارة التي أطلعت موسكو –وبالتالي دمشق- على موعد ومكان الضربات الجوية قبل أن تطلع عليها الكونغرس، يعني كل شيء ولا شيء على الإطلاق. وقد جاء التوضيح سريعاً أيضاً. كان سبايسر يشير إلى قنابل البراميل المملوءة بغاز الكلور، على ما يبدو.
إن السوريون حكماء في أنهم لا يعولون على "أبو إيفانكا".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Syrians Are Wise Not to Count on Äbu Ivanka

التعليق