بين حضيض العنصرية وصناعة الإحباط

تم نشره في السبت 22 نيسان / أبريل 2017. 12:03 صباحاً

عرضت في الأسبوع المنتهي، في مركز "مدار" للأبحاث في رام الله، التقرير السنوي الثاني، للقوانين العنصرية والداعمة للاحتلال والاستيطان في الكنيست الإسرائيلي. وحينما عرضت التقرير الأول قبل عام، فوجئت من طرح 66 مشروع قانون خلال عام برلماني واحد في حينه، نظرا لكوني متابعا وراصدا للكنيست منذ نحو 27 عاما. وسألت في حينه، أي قوانين بعد من الممكن طرحها. ليتبين أنه في العام الثاني وحده، فإن نواب "الديمقراطية الصهيونية" قد طرحوا 70 قانونا آخر، ما يرفع العدد الاجمالي إلى 136 مشروع قانون. وهذا يؤكد بالإثبات، أن حضيض الصهيونية من دون قاع.
ما يجب التأكيد عليه بداية، أن الصهيونية نشأت أصلا على الفكر العنصري الإقصائي، وبالذات الاستعماري. وعلى هذه الأسس أنشأت كيانها، وبالتأكيد أيضا برلمانها، الذي شرع منذ يوم الأول قبل 69 عاما، في سن القوانين ذات البعد الاستراتيجي. وأولها طرق السطو على الأراضي الفلسطينية بملكية خاصة، ومناطق نفوذ البلدات العربية التي فلتت من جرائم التدمير في فترة النكبة، ومحاصرتها. والى جانب هذا قانون الهجرة، الذي يمنع هجرة كل من هو ليس يهوديا، أو من عائلة يهودية إلى فلسطين، وغيرها من القوانين.
ومسلسل القوانين العنصرية لم يتوقف في أي مرحلة من مراحل الكنيست، الى جانب السياسات العنصرية غير المقوننة، في توزيع الموارد. إلا أن ما نشهده في سنوات الألفين تحديدا، هو انفلات غير مسبوق على حريات الفرد الفلسطيني ومقوماته وممتلكاته. وباتت مشاريع القوانين العنصرية، الرصيد الأهم للساسة الصهاينة، كي يكسبوا أوراقا انتخابية عند جمهورهم. ومن يتابع مسلسل مشاريع القوانين، وبماذا بدأت، وإلى أين وصلت، يعرف تماما أن جهاز الحكم بات خاضعا لمواقف أشد العصابات الاستيطانية تطرفا وارهابا، مثل عصابة "رغافيم" التي مؤسسها بات عضو كنيست، والأكثر تأثيرا على الائتلاف الحاكم.
وباستثناء حزب "ميرتس" اليساري الصهيوني الصغير (5 نواب)، فإن كافة الأحزاب الصهيونية والدينية، في الائتلاف والمعارضة مشارِكة تماما في هذا الكم الخطير من القوانين، الذي يتدفق أسبوعيا على جدول أعمال الكنيست. فبعد عامين من الانتخابات، تم إاقرار 25 قانونا بالقراءة النهائية، و15 قانونا آخر في مراحل التشريع المختلفة. فيما عشرات القوانين مرشحة للدخول إلى مسار التشريع في المرحلة المقبلة. وهذا يُعدّ أضعاف الوتيرة التي كانت قائمة في الماضي.
وبتنا نرى أن القوانين التي كانت حتى ماض قريب نوعا من الهوس العنصري، لا يمكن أن نصدق وجود من يتجرأ على تأييدها، باتت اليوم تحظى بأغلبية ساحقة في الكنيست، وفي بعض الأحيان بشبه إجماع صهيوني. مثل القانون الذي يهدف إلى إسكات أذان المساجد، الذي طُرح لأول مرة قبل ست سنوات، ولم يؤيده في حينه سوى بنيامين نتنياهو؛ أما اليوم، فقد دخل مسار التشريع، وقد يتم إنجازه كليا في الأشهر المقبلة. كذلك قانون نهب الأراضي بملكية خاصة، وهو قانون من إعداد عصابة "رغافيم" السابق ذكرها، وقد بات قانونا مقررا، ودخل إلى كتاب القوانين الصهيوني. 
والسؤال: "ما العمل"؟. أشد ما يقلقني خلال عملي البحثي والصحفي، أن ما يتم عرضه من أبحاث وتقارير عن العنصرية الإسرائيلية والصهيونية، قد يساهم في حالة الإحباط. وهذا ما لمسته في الندوة التي عقدت يوم الأربعاء الأخير، لدى عرض التقرير، من بعض الحاضرين. فالهدف ليس أن ننتج إحباطا، بسبب القوة والطغيان الصهيوني، وإنما أن تتحول هذه التقارير، وكل التقارير الأخرى، الى مواد تعبئة للشارع، كي يعرف الأخطار التي تواجهه، لا أن تتحول الى موضوع للندب الجماعي.
قبل 15 عاما، تم الكشف عن أن لدى أجهزة المخابرات والعسكرية الإسرائيلية، غرفة عمليات دائمة للحرب النفسية ضد الشعب الفلسطيني. هذا ما كشف عنه أبرز محلل عسكري إسرائيلي في حينه، زئيف شيف، وتوفي قبل سنوات. وتثبت تجارب السنين، أن المؤسسة الصهيونية "تبدع" في إنتاج الإحباط للشعب الفلسطيني؛ ولكن الكارثة أن منّا من يتقن استهلاكها، من خلال الندب، وحروب التخوين والتيئيس. إن الأجواء الحاصلة في الشارع الفلسطيني عامة، هي بفعل فاعل، والعامل الذاتي يلعب دورا فاعلا. واستمرار أجواء الإحباط والاحتراب الداخلي، هي ورقة رابحة بيد الصهاينة. 

التعليق