الأسلحة الكيميائية ليست المشكلة الرئيسية في سورية

تم نشره في الثلاثاء 25 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً
  • الدخان يتصاعد من موقع قصفته الطائرات في مدينة سورية - (أرشيفية)

بول دي ميلر - (فورين بوليسي) 18/4/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في العام 2012 حذر الرئيس باراك أوباما من أن استخدام الرئيس السوري بشار الأسد للأسلحة الكيميائية يعد "خطاً أحمر"، من شأنه تغيير الحسابات في السياسة الأميركية تجاه الحرب الأهلية السورية. وبعد عام من ذلك، وفي مواجهة دليل على أن الأسد استخدم غاز السارين ضد شعبه، قال أوباما: "إن استخدام الأسلحة الكيميائية في أي مكان في العالم هي شيء مهين للكرامة الإنسانية، وتهديد لأمن الشعوب في كل مكان". ويبدو أن الرئيس دونالد ترامب يوافقه الرأي. ولذلك، أمر بتوجيه بضربة صاروخية ضد قاعدة الشعيرات الجوية في سورية في وقت سابق من هذا الشهر، رداً على هجوم كيميائي آخر.
إن عقيدة أوباما-ترامب القائمة على فكرة أن الولايات المتحدة ستضع موضع التنفيذ عرفاً عالمياً ضد استخدام الأسلحة الكيميائية، هي شيء بلا معنى من الناحية الاستراتيجية. كما أنها تعسفية من الناحية الأخلاقية. فعلى المستوى الاستراتيجي، يتطلب ذلك من الولايات المتحدة استثمار وقتها ومواردها في مراقبة سلاح لا يختلف من الناحية النوعية عن الأسلحة التقليدية. وعلى المستوى الأخلاقي، ترقى هذه العقيدة إلى الإعلان عن أن الولايات المتحدة تعنى بسلاح الجريمة أكثر مما تعنى بضحية الجريمة.
على الرغم من سمعتها المخيفة، فإن الأسلحة الكيميائية ليست مميتة أو فعالة بشكل خاص في قتل الناس مقارنة بالأسلحة التقليدية. وكانت الأسلحة الكيميائية قد استخدمت على أوسع نطاق لها في الحرب العالمية الأولى، فقتلت جنوداً قليلين نسبياً -ربما 90.000 جندي مقارنة بما وصل إلى 17 مليون شخص ماتوا خلال الحرب. وقد تسببت الأسلحة الكيميائية في مرض عشرات الآلاف من الآخرين، والذين شفي أغلبهم.
وإذن، لماذا نلوم الأسلحة الكيميائية في المجزرة التي ارتكبت في الحرب العالمية الأولى؟ كانت تلك الأسلحة جديدة ومفهومة بشكل بائس -وكان من الطبيعي أن يخاف منها الجنود. كما نظر لها على أنها ليست لطيفة، على أنها شكل من الخداع غير الفروسي -نوع خاص من الإهانة الموجهة للجنود المحترفين. ومما لا شك فيه أن سمعة الأسلحة الكيميائية ساعدت على التوصل إلى فرض قيود وقوانين صارمة عليها بعد الحرب. لكن سلاح الدمار الشامل في الحرب العالمية الأولى كان الرشاش الأوتوماتيكي، تتلوه الانفلونزا.
على نحو سيئ الصيت، استخدم الرئيس العراقي صدام حسين الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين الأكراد في حلبجة في العام 1988، في هجوم ربما أسفر عن مقتل نحو 5.000 شخص. لكن الهجوم تضمن انخراط عشر طائرات حربية قامت بدزينة أو أكثر من الطلعات الجوية، مسقطة القنابل لساعات، والتي سبقها وتبعها إلقاء متفجرات تقليدية. وفي ضوء ذلك الكم الكبير من قوة النيران والوقت، كان صدام حسين يستطيع أن يقتل هذا العدد وربما أكثر -بأي نوع من المتفجرات. واكتشف حسين، كما اكتشف آخرون من قبله، صعوبة استخدام الأسلحة الكيميائية، لأنها تتطلب ظروفاً جوية مثالية خارجة على سيطرة البشر. ونظراً لأن بناء الأسلحة الكيميائية والإبقاء عليها آمنة هي أمور مكلفة، لكنها ليست مفيدة بشكل خارق، كان من السهل على القوى العظمى حظرها تماماً بعد الحرب الباردة.
أخلاقياً، ليس ثمة فكرة على الإطلاق في فرض حظر عالمي على استخدام الأسلحة الكيميائية. وأنا لا أقترح هنا أنه يجب علينا أن نكون أكثر تسامحاً في استخدامها، وإنما أقول إننا يجب أن نكون أقل تسامحاً بكثير حيال ذبح المدنيين، بغض النظر عن السلاح المستخدم. وترقى عقيدة ترامب-أوباما إلى إعلان أن الطغاة والمستبدين في العالم يستطيعون قتل مواطنيهم مع تمتعهم بالحصانة، طالما أنهم لا يجرؤون على استخدام الأسلحة الكيميائية. وهي تؤشر على أن مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية يتمتعون بمنطقة إطلاق نار حرة في داخل بلدانهم إذا تظاهروا بأنهم يقتلون بطريقة نظيفة وبفروسية.
إذا كنت تعتقد بأن هناك في الحقيقة قتلاً نظيفاً وفروسياً، فإنك تكون قد شاهدت الكثير جداً من الأفلام الحربية. وكما قال الجنرال وليام شيرمن على نحو مشهود: "أنا متعب ومريض من الحرب. إن مجدها كله عبث. إنهم أولئك الذين لم يطلقوا طلقة، ولم يسمعوا صرخات وآهات الجرحى، هم الذين يرفعون أصواتهم طلباً للدم وللانتقام والفجيعة. الحرب هي جهنم". أو كما قال الرئيس دوايت أيزنهاور: "إنني أكره الحرب كما يفعل جندي عاشها، وأكرهها كواحد شهد وحشيتها وعبثها وحماقتها".
الحرب تظل دائماً بربرية وبغيضة، حتى الحرب العادلة. ومن الفراغ الأخلاقي الاعتقاد بأن هناك شيئاً يسمى قتلا نظيفا أو إنسانيا. وأنا لست رافضاً للحرب؛ فأنا محارب سابق في أفغانستان، وأعتقد أن هناك حالات تكون فيها الحرب عادلة. لكنني لست أسير أي وهم بأن القتل يمكن أن يحدث بشرف وفروسية. والتظاهر بأن ثمة طريقة إنسانية شهمة لقتل شخص ما يبعث على السخرية -إنها في الحقيقة غير أخلاقية لأنها تسمح للمدنيين المضللين بدعم الحرب على أساس الادعاء الزائف بأنها أكثر إنسانية مما هي عليه في واقع الأمر. إن الميت ميت، سواء قتل بتفجير قنبلة أو بعيار ناري أو بمنجل.
إن فرض حظر على استخدام سلاح معين يضع ثقلاً أخلاقياً على الشيء الخطأ: على السلاح وليس على الهدف الذي يوظف السلاح من أجل تحقيقه. يجب علينا أن نغضب لذبح المدنيين بغض النظر عن طريقة ذبحهم. فإذا كان الأسد وحشاً في استخدام غاز الأعصاب ضد عشرات قليلة من الناس هذا الشهر، فقد كان وحشاً لقتله 500.000 على مدار السنوات الست السابقة بقنابل البراميل والمتفجرات التقليدية. ويتطلب الأمر درجة صادمة من قصر النظر الأخلاقي حتى يتملكنا قدر من الغضب من سلاح القتل المستخدم أكبر مما هو في الحقيقة جرم القتل في المقام الأول.
أفهم أن صور الأطفال السوريين القتلى بسبب استخدام غاز الأعصاب حتى الموت قد أزعجت العديد من الناس، بمن فيهم الرئيس ترامب. وقال ترامب رداً على الهجوم الكيميائي في أوائل نيسان (أبريل): "هجوم كيميائي كان مريعاً جداً في سورية ضد أناس أبرياء، بمن فيهم نساء وأولاد صغار وحتى أطفال صغار جميلون- موتهم كان عاراً على الإنسانية. ولا يمكن تحمل هذه الأفعال الشنيعة التي أقدم عليها نظام الأسد".
لكنك إذا أردت أن تسند سياستك الخارجية إلى الصور التي تقلقك، فإنك تكون قد منحت استراتيجيتك الكبرى من الباطن إلى شبكة "سي. أن. أن" -والأسوأ، إلى "تويتر". وبذلك تخلق عرفاً بأنك إذا أردت استرعاء إهتمام أميركا، فتأكد من تصوير ضحاياك. وربما يكون الأفغان قد شعروا محقين ذات مرة بأنهم منبوذون، لأن الإعلام العالمي خرج من كابول قبل وقت طويل، تاركاً العديد من الأعمال الوحشية غير مصورة.
أخيراً، يجب أن تعرف أن الصور السورية لم تكن حتى بذلك السوء، مقارنة مع أحداث العالم. فإذا شعرت بالوهج الساخن للغضب القوي من الأسد بعد مشاهدة تلك الصور، فإنك تحتاج لأن تشاهد على "غوغل" صور الإبادة الجماعية في رواندا، أو المجزرة التي ارتكبت في سربريستينا، أو ربما المحرقة في أوزفيتش. وتأكد من أن تكون جالسا، ولا تأكل، وأن تكون قد أغلقت خاصية "البحث الآمن" في حاسوبك.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Chemical Weapons Aren’t the Real Problem in Syria

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق