علاء الدين أبو زينة

العرب: الاستبداد أو الفوضى..؟!

تم نشره في الأربعاء 26 نيسان / أبريل 2017. 11:07 مـساءً

في مقال حديث، يشير الكاتب البريطاني، سايمون تيسدال، إلى حقيقة أن انتصار استفتاء أردوغان في تركيا ليس غريباً ولا مفاجئاً في عالم مليء بـ"الرجال الأقوياء" المستبدين. ولا يصعب تعقب الاتجاه الواضح الذي يشير إليه تيسدال، من فوز دونالد ترامب، المعجب بالمستبدين، إلى سدة السلطة في الولايات المتحدة، إلى استقرار الزعيم الروسي فلاديمير بوتين في السلطة منذ 17 عاماً تقريباً، إلى "الرجال الأقوياء" في كثير من دول أفريقيا وآسيا والصين.
يلخص تيسدال أسباب هذا التراجع العالمي عن الديمقراطية الليبرالية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وانتهاء الاستعمارات، فيذكر "المخاوف الاقتصادية والعولمة؛ وانعدام الأمن الناجم عن الإرهاب؛ والفقدان المتخيل للهوية، والإخفاقات العديدة الواضحة للأنظمة ذات الأحزاب المتعددة". لكنه يشير إلى حقيقة تخصنا نحن العرب، ونعرفها جيداً عن منطقتنا: "بعض أجزاء العالم لم تصل أبداً إلى القاعدة الأولى، بالمعنى الديمقراطي. ويصح هذا إلى حد كبير على الشرق الأوسط...".
صحيح. فبعد ذهاب الاستعمار مباشرة، تشكلت في دول عربية إما أنظمة رعوية أبوية، أو أنظمة "جمهورية" تحولت فوراً إلى ما تدعى "الديمقراطية الموجهة". وكانت مسألة "الرجل القوي" الطاغية مضمونة في بعض الأنظمة. أما "الجمهوريات" فأصبحت فوراً إقطاعيات لأفراد أيضاً، عمدوا كلهم بلا استثناء إلى تعديل الدساتير المستنيرة لشطب المواد التي تنص على فترات رئاسية محددة، لصالح البقاء في السلطة حتى الموت، وفازوا في "الانتخابات" دائماً بنسبة 99.9 في المائة، وكأن الله تعالى لم يخلق غيرهم.
المخرج الوحيد الذي بدا واعداً لمجرد دخول "القاعدة الأولى"، أي طور الديمقراطية التعددية، كان "الربيع العربي". وكانت تلك المحاولة في حد ذاتها متخلفة جداً عن ركب الأمم، حيث حاولت الشعوب العربية البدء من حيث ملّ الآخرون. لكن المحاولة أسفرت عما نراه من وضعنا أمام الخيار الرديء نفسه: إما الاستبداد أو الفوضى. وفي العراق، أصبح الكثيرون يتحسرون على صدام حسين وأيامه بعد الغرق في الفوضى التي لا تنتهي. وفي مصر، رحب المصريون بعودة العسكر و"الرجل القوي" الواحد وتنازلوا حتى عن دم شهداء الانتفاضة. وفي الأمكنة الأخرى، صمت الناس وانكسرت أحلامهم وقنعوا بما هم فيه، لأنه ليس لديهم بديل ثالث.
في تركيا، وأميركا، وفرنسا وبولندا وأي مكان يصعد فيه الشعبويون، مرَّت الشعوب على الأقل بخبرة الديمقراطية الليبرالية التعددية البرلمانية. وربما يكون اشمئزازهم من النخب عارضاً وردة فعل عصبية. ومن السهل ملاحظة نوع من عدم الرضا الواضح عن انتخاب ترامب في الولايات المتحدة أو وجود بوتين في الكرملين الروسي. وحتى في تركيا، يذكر الناس لرجب طيب أردوغان مشروع النهضة الاقتصادية المدهشة التي غيرت الحياة حرفياً في تركيا. لكن خبرة العرب فريدة في الحرمان من هذه الأطوار التي يمر بها العالَم "الآخر"، وكأن هذه المنطقة تنطوي على آليات بنيوية عنيدة للتدمير الذاتي.
في أوروبا الإقطاعية والكنسية والقمعية، توفرت الفرصة بشكل ما لطرح بديل من خلال الاشتغال بالتنظير والتثقيف والفلسفة. وبطريقة ما، وجد من نسميهم "مفكرو النهضة" طريقة لنشر أفكارهم عن التعددية والعلِم والديمقراطية. وعندما نشأت الانتفاضات في عصر النهضة، كانت الثقافة الشعبية قد تشربت الفكرة عن البديل المعرَّف بوضوح. لكن هذه الفرصة لم تتوفر في مناطقنا، ربما لأن قوة قمع الاقتراحات الجديدة والأصوات المستنيرة أكبر من أي شيء في العالم. وعلى الأغلب، نجح تحالف سُمي بين السلطة الدينية والسلطة السياسية والتكوينات الاجتماعية القبَلية في فرض عقل جمعي مفصل في قالَب حجري ومحاصر بالمحرمات والممنوعات والعصبويات. وإذا أصبحت الشعوب نفسها تستمرئ البقاء في القيود، فما العمل؟ وإذا كانت حتى الاتجاهات العالمية تذهب نحو تكريس أو استعادة نظام "الرجل القوي" الواحد، فمن أين النصير؟

التعليق